الشيخ محمد رشيد رضا

469

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حفاوة ، إذا تلطف بك وبالغ في اكرامك اه . أقول ومنه قوله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا وآلهما الصلاة والسّلام ( إنه كان بي حفيا ) وفي تفسير ابن كثير : عن العوفي عن ابن عباس ( يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) يقول : كأن بينك وبينهم مودة كأنك صديق لهم . قال ابن عباس : لما سأل الناس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الساعة سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدا حفي بهم ، فأوحى اللّه اليه انما علمها عنده استأثر به فلم يطلع عليه ملكا مقربا ولا رسولا . وقال قتادة : قالت قريش لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم إن بيننا وبينك قرابة فأشر الينا متى الساعة ؟ فقال اللّه عز وجل ( يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي ، هذا قول والصحيح عن مجاهد من رواية ابن أبي نجيح وغيره ( يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) قال : استحفيت عنها السؤال حتى علمت وقتها . وكذا قال الضحاك عن ابن عباس ( يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) يقول كأنك عالم بها ، لست تعلمها ، قل انما علمها عند اللّه . وقال معمر عن بعضهم ( كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها ) كأنك عالم بها ، وقد أخفى اللّه علمها عن خلقه ، وقرأ ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) الآية . ( قال ابن كثير ) وهذا القول أرجح في المعنى من الأول واللّه أعلم ، ولهذا قال قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ هذا تكرار للجواب في إثر تكرار السؤال للمبالغة في التأكيد والايئاس من العلم بوقت مجيئها ، وتخطئة من يسألون عنه ، وقد ذكر هنا اسم الجلالة للاشعار بأنه مما استأثر بعلمه لذاته ، كما أشعر ما قبله بأنه من شؤون ربوبيته ، وكل منهما مما يستحيل على خلقه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ اختصاص علمها به تعالى ولا حكمة ذلك ، ولا أدب السؤال ، ولا غير ذلك مما يتعلق بهذا المقام ، وانما يعلم ذلك القليلون وهم المؤمنون بما جاء من أخبارها في كتاب اللّه تعالى وبالسماع من رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم كالذين حضروا تمثل جبريل عليه السّلام بصفة رجل وسؤاله للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الايمان والاسلام والاحسان ثم عن الساعة . وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم له عند السؤال الأخير « ما المسؤول عنها بأعلم من السائل » يعني اننا سواء في هذا الامر لا يعلم أحد منا متى تقوم الساعة