الشيخ محمد رشيد رضا

468

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ، وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها ، وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى ، وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ) فيجب على المؤمنين أن يخافوا ذلك اليوم ، وأن يحملهم الخوف على مراقبة اللّه تعالى في أعمالهم فيلتزموا فيها الحق ، ويتحروا الخير ، ويتقوا الشرور والمعاصي ، ولا يجعلوا حظهم من أمر الساعة الجدال ، والقيل والقال . واننا نرى بعض المتأخرين قد شغلوا المسلمين عن ذلك ببحث افتجره بعض الغلاة وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يبق طول عمره لا يعلم متى تقوم الساعة كما تدل عليه آيات القرآن الكثيرة بل أعلمه اللّه تعالى به ، بل زعم أنه أطلعه على كل ما في علمه ، فصار علمه كعلم ربه - أي صار ندا وشريكا للّه تعالى في صفة العلم المحيط بالغيوب التي لا نهاية لها ، ومن أصول التوحيد انه تعالى لا شريك له في ذاته ولا في صفة من صفاته ، والرسول عبد للّه لا يعلم من الغيب إلا ما أوحاه اللّه تعالى اليه لأداء وظيفة التبليغ . وستزداد علما ببطلان هذا الغلو خاصة في تفسير الآية التالية . ولكن الغلاة يرون من التقصير في مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتعظيمه أن تكون صفاته دون صفات ربه وإلهه وخالق الخلق أجمعين . فكذبوا كلام اللّه تعالى وشبهوا به بعض عبيده إرضاء لغلوهم ، ومثل هذا الغلو لم يعرف عن أحد من سلف هذه الأمة ، ولو أراد اللّه تعالى أن يعلم رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بوقت قيام الساعة بعد كل ما أنزله عليه في اخفائها واستئثاره بعلمها لما أكده كل هذا التأكيد في هذه السورة وغيرها كقوله عز وجل : يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها الخ . يسألونك هذا السؤال كأنك حفي مبالغ في سؤال ربك عنها - أو يسألونك عنها كأنك حفي بهم - فعنها متعلق بيسألونك وجملة « كأنك حفي » معترضة . قال في مجاز الأساس : أحفى في السؤال : ألحف . . . وهو حفي عن الامر : بليغ في السؤال عنه ، ( كأنك حفي عنها ) وقال الأعشى : فان تسألي عني فيارب سائل * حفي عن الأعشى به حيث أصعدا واستحفيته عن كذا : استخبرته على وجه المبالغة . ونحفى بي فلان ، وحفي بي