الشيخ محمد رشيد رضا
467
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وساطة بينه وبين عباده في اظهارها ولا الاعلام بميقاتها ، وانما وساطة الرسل ( عليهم السّلام ) في الانذار بها وقفى على هذا الايئاس من علم أمرها والانباء بوقت وقوعها بقوله في تعظيم شأنها وسر إخفاء وقتها ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ثقل وقعها وعظم أمرها في السماوات والأرض على أهلهما من الملائكة والانس والجن ، لأن اللّه تعالى نبأهم بأهوالها ، ولم يشعرهم بميقاتها ، فهم يتوقعون أمرا عظيما لا يدرون متى يفجؤهم وقوعه . روي عن قتادة في تفسير الجملة أنه قال : ثقل علمها على أهل السماوات والأرض أنهم لا يعلمون . وقال السدي : خفيت في السماوات والأرض فلا يعلم قيامها ملك مقرب ولا نبي مرسل . فهذان القولان تفسير لثقلها بفقد العلم بها فان المجهول ثقيل على النفس ولا سيما إذا كان عظيما ، وروي عن معمر وابن جريج أن ثقلها يكون يوم مجيئها ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ - و - إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ، - و - إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ) وغير ذلك مما وصفه اللّه تعالى من أمر قيامها . وعن ابن عباس في ثقلها : ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة . ولكل رواية وجه صحيح ، والمتبادر من الجملة ما ذكرناه أولا وهو يتفق مع جملة هذه الروايات . لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً أي فجأة على حين غفلة ، من غير توقع ولا انتظار ، ولا اشعار ولا انذار . وقد تكرر هذا القول في التنزيل ، وجاء في حديث أبي هريرة من الصحيحين واللفظ للبخاري « ولتقومنّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومنّ الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته « 1 » فلا يطعمه ، ولتقومنّ الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه « 2 » ولتقومنّ الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها » والمعنى أنها تبغت الناس وهم منهمكون في أمور معايشهم المعتادة . وأبلغ من هذا قوله تعالى في أول سورة الحج ( 22 : 1 - يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ 2 يَوْمَ
--> ( 1 ) اللقحة الناقة ذات الدر ( 2 ) يليط حوضه بالضم من ألاط : طلا حجارته بالطين أو غيره كالجص ليمسك الماء ويحفظه والثلاثي منه لاطه يلوطه