الشيخ محمد رشيد رضا

452

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وفسر بعض المتقدمين الاستدراج بمعناه العام في اللغة كاغترار العصاة بالنعم التي تنسيهم التوبة وتلهيهم عن شكر المنعم . واقتصارهم عليه غفلة عن سبب النزول ومن أنزل فيهم . فهو كقوله تعالى في سورة القلم ( 68 : 44 فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ) وقفى عليها بمثل ما هنا - والسورتان مكيتان - وهو قوله تعالى : * * * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ الاملاء الامداد في الزمن والامهال والتأخير مشتق من الملوة والملاوة وهي الطائفة الطويلة من الزمن ، والملوان الليل والنهار قال الراغب وحقيقته تكررهما وامتدادهما ، يقال أملى له إذا أمهله طويلا . وأملى للبعير إذا أرخى له الزمام ووسع له في القيد ليتسع له المرعى . ( واهجرني مليا ) أي زمنا طويلا . والملا بالقصر المفازة الواسعة الممتدة ، وأما الاملاء للكاتب بمعنى تلقينه ما يكتب فأصله أملل . فهو ليس من هذه المادة والكيد كالمكر هو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهي إلي ما يسوءه من مخبره وغايته ، وأكثره احتيال مذموم ، ومنه المحمود الذي يقصد به المصلحة ككيد يوسف لاخذ أخيه الشقيق من اخوته لأبيه برضاهم ومقتضى شريعتهم ، ولذلك اسند وأضيف إلى اللّه عز وجل في مثل هذين الموضعين . والجمهور على أن إضافة الكيد والمكر أو إسنادهما اليه تعالى في القرآن من باب المشاكلة أو متأول بمعنى العقاب والجزاء وما بيناه أدق ، والمتين القوي الشديد ومعنى الآية وأمهل هؤلاء المكذبين المستدرجين في العمر وأمد لهم في أسباب المعيشة والقدرة على الحرب بمقتضى سنتي في نظام الاجتماع للبشر كيدا لهم ومكرا بهم ، لا حبا فيهم ونصرا لهم ، ( 23 : 55 فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ 56 أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ 57 نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ؟ بَلْ لا يَشْعُرُونَ ) وان تسأل عن كيدي فهو قوي متين : قال النبي ( ص ) فيما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي موسى « إن اللّه تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » فمعنى هذا الاملاء أن سنة اللّه تعالى في الأمم والافراد قد مضت بأن يكون عقابهم بمقتضى الأسباب التي قام بها نظام الخلق ، فالمخذول إذا بغى وظلم ولم ينزل به العقاب الإلهي عقب ظلمه يزداد