الشيخ محمد رشيد رضا

453

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بغيا وظلما ولا يحسب للعواقب حسابا فيسترسل في ظلمه إلى أن تحيق به عاقبة ذلك بأخذ الحكّام له أو بتورطه في مهلكة أخرى ، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى وقد نقلنا في أوائل هذا التفسير عن شيخنا الأستاذ الامام أن عذاب الأمم في الدنيا مطرد ، وأما عذاب الافراد فقد يتخلف ويرجأ إلى الآخرة . وحققنا في مواضع أخرى أن عقاب الأمم وبعض عقاب الافراد أثر طبيعي لذنوبهم فالأمم والشعوب الباغية الظالمة لا بد أن يزول سلطانها وتدول دولتها ، والسكير والزناء لا يسلمان من الأمراض التي سببها السكر والزنا . والمقامر قلما يموت الا فقيرا معدما الخ وقد سردنا الشواهد في مواضع أخرى على عقاب الأمم من الآيات التي صدقتها شواهد التاريخ الماضي والحاضر وستصدقها في المستقبل ، وما كانت الحرب الأخيرة العظمى الا بعض عقاب اللّه تعالى للذين صلوا نارها ببغيهم وفسوقهم ، وسيرون ما هو شر منها إذا لم يرجعوا عن غيهم * * * بعد هذا أرشدهم إلى المخرج من أكبر شبهة لهم على الرسالة فقال عز وجل أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ الجنة بالكسر النوع الخاص من الجنون فهو اسم هيئة ، واسم للجن أيضا ولا يصح هنا الا بتقدير مضاف ، أي من مس جنة - وقد حكى اللّه تعالى عن قوم نوح أول رسله إلى قوم مشركين انهم اتهموه بالجنون فقالوا بعد قولهم انه بشر مثلهم يريد أن يتفضل عليهم ( 23 : 25 إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ ) وفي سورة القمر عنهم ( 53 : 9 كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) وفي سورة الشعراء حكاية عن فرعون لعنه اللّه في موسى صلّى اللّه على نبينا وعليه وسلم ( 26 : 26 قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ) وقال تعالى عنه في سورة الذاريات ( 51 : 39 ) ( فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) ثم بين تعالى في هذه السورة أن جميع الكفار كانوا يقولون هذا القول في رسلهم فقال ( 52 ) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 53 ) أَ تَواصَوْا بِهِ ؟ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ وفي معنى آية الأعراف في خاتم النبيين والمرسلين عدة آيات ( منها ) قوله تعالى في كفار مكة من سورة المؤمنين ( 23 : 69 ) ( أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ