الشيخ محمد رشيد رضا
429
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والآداب وعلى الأمم والشعوب ، وهداية الاسلام تحظر هذا وذاك وتوجب الأكل من الطيبات والزواج بشرطه وتحرم الاسراف في كل شيء . فلو اهتدى الناس بالقرآن في فقه أسرار الخلق ومنافعه لجمعوا بها بين ارتقائهم في معاشهم ، واستعدادهم لمعادهم ، واتقوا هذا الاسراف في الشهوات والتنازع عليها الذي أفسد مدنية الإفرنج بما يشكو منه جميع حكمائهم ويجزمون بأنه لا بد أن يقضي عليهم . أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ أي أولئك الموصوفون بكل ما ذكر هم الغافلون التامّوا الغفلة عما فيه صلاحهم وسعادتهم في الحياتين الدنيا والآخرة جميعا أو خيرهما وأكملهما وأدومهما وهي الثانية ، فهم طبقات على درجات في الغفلة ، الغافلون عن أنفسهم ، الغافلون عن استعمال عقولهم ومشاعرهم في أفضل ما خلقت لأجله من معرفة اللّه تعالى ، الغافلون عن آيات اللّه في الأنفس والآفاق التي تهدي إلى معرفة العبد نفسه وربه ، الغافلون عن ضروريات حياتهم الشخصية ، وحياتهم القومية ، وحياتهم الملية ، الذين يعدون كالانعام من وجه آخر غير الذي تقدم من مجافاة سنن الفطرة ، وهو حقارتهم ومهانتهم الشخصية والقومية بين الأمم والدول وتسخير غيرهم لهم كما يسخر الأنعام في سبيل معيشته فالقسم الأول من الغافلين هم الذين قال اللّه تعالى فيهم في أوائل سورة يونس بعد التذكير بخلق السماوات والأرض واستوائه على عرشه وتدبيره أمر العالم ، وكونه يبديء الخلق ثم يعيده - والإعادة في العادة أهون من البدء - والتذكير بآياته في جعل الشمس ضياء والقمر نورا وتقديره منازل ليعلم منها عدد السنين والحساب - وآياته في اختلاف الليل والنهار وخلق السماوات والأرض - قال بعد ذلك - ( 10 : 6 إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ ( 7 ) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) فهذا نص في أن النار مأوى الغافلين عن هذه الآيات أي عن دلالتها على وجود خالقها ومدبر النظام فيها وكون إعادة خلق البشر وغيرهم في طور آخر لا يتعاصى على قدرته ، وهو من مقتضى علمه وحكمته ، وعن كون معرفته تعالى أعلى أنواع المعرفة ، وكون التنعم الروحاني بلقائه عز وجل في دار الكرامة أسمي أنواع النعيم . وان كان هؤلاء الغافلون عما ذكر من أكبر