الشيخ محمد رشيد رضا

430

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

العلماء بسنن اللّه تعالى وحكمه في خلق العالم العلوي والعالم السفلي ، بل حجة اللّه على هؤلاء العلماء أبلغ وأظهر لأنهم لو فطنوا لدلالتها على ما ذكر وفقهوه كما يجب لكانوا أسعد في هذه الحياة الدنيا وأبعد عن شرورها ومفاسدها مما هم عليه الآن ، ولاستعدوا بذلك لسعادة الآخرة أكمل استعداد كذلك يصدق عليهم قوله تعالى في أول سورة الروم ( 30 : 6 يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ ) فانظر إلى بلاغة القرآن في إعادة ضمير ( هم ) وهو للتأكيد الذي اقتضاه وصفهم بالعلم الذي من شأن صاحبه عدم الغفلة تلك الصفات هي صفات من خلقوا لسكنى الجحيم ، وما يقابلها فهو صفات أهل دار النعيم ، فأهل النار بنص كتاب اللّه تعالى هم الأغنياء الجاهلون الغافلون ، الذين لا يستعملون عقولهم في فقه حقائق الأمور ، ولا يستعملون اسماعهم وأبصارهم في استنباط المعارف واستفادة العلوم ، ومعرفة آيات اللّه الكونية ، وفقه آياته التنزيلية ، وهما سبب كمال الايمان ، والباعث النفسي على كمل الاسلام والاحسان ، ولن ترى في كتب التفاسير الكثيرة من نبه قراء كتاب اللّه تعالى إلى هذه المعاني الهادية إلى سبيله وصراطه المستقيم ، على أن أكثر المسلمين قد اتخذوا كتاب اللّه مهجورا ، فإذا سألت أشهرهم بعلم التفسير عن معنى هذه الآية قال لك ان اللّه تعالى خلق للنار خلقا هم على الكفر والمعاصي مجبورون ، « لهم قلوب ليس من شأنها أن يفهموا بها شيئا مما من شأنه أن يفهم ، فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائله دخولا أوليا - ولهم أعين لا يبصرون بها شيئا من المبصرات فيندرج فيه الشواهد التكوينية الدالة على الحق اندراجا أوليا - ولهم آذان لا يسمعون بها شيئا من المسموعات فيتناول الآيات التنزيلية على طرز ما سلف » اه ملخصا من روح المعاني ، وما زاد عليه فيه فكلام في الاعراب ونكت التعبير وتحقيق لمعنى الجبر عند بعض المتكلمين وهو زبدة ما في كتب التفسير . وأهل النار عندهم من يسمونهم كافرين ، وأهل الجنة من يسمونهم مسلمين ، وان كانوا يجهلون حقائق هذه الأمور ، ويصرون على الفجور ، اتكالا على شفاعة أهل القبور ، الذين يدعونهم مع اللّه أو من دون اللّه لمهمات الأمور ، ويذبحون لهم النسائك وينذرون لهم النذور ،