الشيخ محمد رشيد رضا

426

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الاسلام ، ولا يدرون ما الكتاب وما الايمان ، فالقرآن حجة عليهم وهم أجهل وأضل من أن يكونوا حجة على القرآن . وقوله تعالى ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) أبلغ من أن يقال : ليس لهم قلوب يفقهون بها . لأن اثبات خلق القلوب لهم ، هو موضع قيام الحجة عليهم ، والتعبير الآخر يصدق بأمرين : بعدم وجود القلوب لهم بالمرة ، وبوجود قلوب لا يفقهون بها ، وفي الحالة الأولى لا تقوم عليهم حجة لأنهم لم يؤتوا آلة التكليف وهو العقل والوجدان . فلا تكون العبارة نصا في قيام الحجة لاحتمالها عدم التكليف . وانما قال ( لا يَفْقَهُونَ بِها ) ولم يقل « لا تفقه » لبيان أنهم هم المؤاخذون بعدم توجيه إرادتهم لفقه الأمور واكتناه الحقائق ، ويقال مثل هذا وما قبله فيما بعده وهو : وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ومعنى الجملتين يفهم اجمالا مما فسرنا به فقه القلوب تفصيلا ، أي ولهم أبصار وأسماع لا يوجهونها إلى التأمل والتفكر فيما يرون من آيات اللّه في خلقه ، وفيما يسمعون من آيات اللّه المنزلة على رسله ، ومن أخبار التاريخ الدالة على سننه تعالى في خلقه ، فيهتدوا بكل منها إلى ما فيه سعادتهم في دنياهم وآخرتهم . وأما التفصيل فيؤخذ من آيات القرآن الكثيرة المرشدة إلى النظر في آياته تعالى في الأنفس والآفاق وفي تدبر القرآن ، وكذا الاستفادة مما يروى ويؤثر من تاريخ البشر ، فان الآذان قد خلقت للانسان ليستفيد من كل ما يسمع ، لامن القرآن فقط ، كما أن الابصار خلقت له ليستفيد من كل ما يبصر ، وانما يكون ذلك على كماله بتوجيه ارادته إلى استعمال كل منهما فيما خلق له . قال تعالى في آخر سورة ألم السجدة ( أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ؟ * أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ ) فهذان مثلان للآيات البصرية والسمعية وأمثالهما كثير ، ولكن أكثر الذين يسمون أنفسهم أهل القرآن لا يفقهون شيئا منها ، وليس الفقه عندهم الا تقليد علماء فروع الاحكام العملية فيما كتبوه منها ، وقد يكون في حكايتها دون العمل بها ، ! !