الشيخ محمد رشيد رضا
427
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وفي معنى ماهنا من صفات أهل جهنم قوله تعالى في الذين علم اللّه رسوخهم في الكفر وثباتهم عليه من سورة البقرة ( 2 : 6 خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) فقد بين بضرب من التشبيه البليغ عدم انتفاعهم بمواهب القلوب والاسماع والابصار التي هي آلات العلم والعرفان ، وطرق الهدى والايمان . وقوله في المنافقين بتشبيه أبلغ ( 2 : 17 صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ) ومثله المثل ( 2 : 166 وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً ، صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) وقوله فيهم من سورة النحل ( 16 : 108 أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) وقوله في سورة الجاثية ( 45 : 22 أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ؟ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ ) وقوله في سورة الأحقاف بعد ذكر هلاك عاد ( 46 : 25 ) ( وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ ) وقوله تعالى في سورة الأنفال ( 8 : 19 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 21 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) أي ولو أسمعهم سماع تفقه واعتبار والحال انه قد علم أنهم لا خير فيهم - لتولوا عن الاستجابة له وهم معرضون . كرر الرب الحكيم بيان هذه الحقيقة بأساليب مختلفة في البلاغة كالتشبيه والتمثيل والاحتجاج ، وبيان السنن الاجتماعية لأجل التأثير والتذكير والانذار ، لمن لم يفقد استعداد الهداية من الكافرين ، ولأجل العظة والذكرى للمؤمنين ، كما ترى في آيات الأنفال ، ومع هذا التكرار البالغ حد الاعجاز في البلاغة نرى أكثر المسلمين أشد إهمالا من غيرهم لاستعمال أسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم في النظر في آيات اللّه في الأنفس والآفاق ، لأنهم من أجهل الشعوب بالعلوم التي تعرف بها آياته تعالى في أعضاء الانسان ومشاعره وقواه العقلية وانفعالاته النفسية