الشيخ محمد رشيد رضا
425
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أنهم يقنعون المؤمنين من الأنصار بترك الانفاق على اخوانهم المهاجرين ، وأن ذلك كاف في انفضاضهم من حول الرسول ( ص ) ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا . وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ) أي لا يفقهون سر كفاية اللّه تعالى رسوله والمؤمنين وكفالته لهم ، ولا يفقهون أن سبب انفاق الأنصار الأبرار رضوان اللّه تعالى عليهم هو الايمان الصادق الذي هو أقوى البواعث على بذل المال والنفس في سبيل اللّه تعالى ابتغاء مرضاته فلا يؤثر فيه قولهم : لا تنفقوا على من عند رسول اللّه - إلا احتقارهم لهم على نفاقهم ، وثباتهم هم على إنفاقهم ، - لا يفقهون هذا ولا ذاك لأنهم محرومون من وجدان الايمان ، وايثار ما عند اللّه تعالى على جميع ما في هذه الدار الفانية من متاع . وجملة القول أن نفي الفقاهة عن قلوب المخلوقين لجهنم يشمل كل ما ذكرنا وما في معناه من أمور الدين وأمور الدنيا من حيث علاقتها بالدين وتكميل النفس . ومن العبرة فيه أن الذين يدعون الايمان في هذا الزمان لهم قلوب لا يفقهون بها ما ذكر ، ولا يعلمون ان من فقهه فهو المخلوق للجنة كما يؤخذ من الحكم على أن من لم يفقهه مخلوق لجهنم ، بل صار كثير ممن لا يوصفون بايمان ولا اسلام يفقهون من سنن اللّه تعالى المشار إلى بعضها في القرآن ما لا يفهمون كاسباب النصر في الحرب ولذلك نراهم ينصرون فيها على هؤلاء واللّه تعالى يقول للمؤمنين ( إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ) ويقول فيهم ( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) وليس المعنى أنه ينصرهم بخوارق العادات ، بل أنهم بمقتضى الايمان هم الذين يفقهون أسباب النصر المادية والمعنوية ، وفقاهة الأمر تقتضي العمل بموجبه ، والآيات حجة على المسلمين الجغرافيين بأنهم غير مؤمنين ، وأن لدى أعدائهم من العلم واخلاق الايمان أكثر مما عندهم ، وإن لم يبلغوا بها مرتبة الايمان الاسلامي الكامل . ثم إنهم بعد ذلك يعدون جهلهم وخذلانهم حجة على الاسلام ، ويزعمون أنه هو سبب حرمانهم النصر والترقي في معارج العمران ، - ( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ) حقيقة