الشيخ محمد رشيد رضا
402
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ربه وخالقه ومبدعة وانه مربوب مخلوق مصنوع حادث بعد ان لم يكن ، ومحال أن يكون حدث بلا محدث أو يكون هو المحدث لنفسه فلا بد له من موجد أوجده ليس كمثله شيء ، وهذا الاقرار والمشاهدة فطرة فطروا عليها ليست بمكتسبة وهذه الآية وهي قوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) مطابقة لقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « كل مولود يولد على الفطرة » ولقوله تعالى ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ) ومن المفسرين من لم يذكر الا هذا القول فقط كالزمخشري ومنهم من لم يذكر الا القول الأول فقط ومنهم من حكى القولين كابن الجوزي والواحدي والماوردي وغيرهم . قال الحسن بن يحيي الجرجاني : فان اعترض معترض في هذا الفصل بحديث يروي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال « ان اللّه مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد ثم ردهم في ظهره » وقال إن هذا مانع من جواز التأويل الذي ذهبت اليه لامتناع ردهم في الظهر ان كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل . قيل له . إن معنى ثم ردهم في ظهره ثم يردهم في ظهره كما قلنا إن معنى أخذ ربك يأخذ ربك فيكون معناه ثم يردهم في ظهره بوفاتهم لأنهم إذا ما تواردوا إلى الأرض للدفن وآدم خلق منها ورد فيها فإذا ردوا فيها فقد ردوا في آدم وفي ظهره إذ كان آدم خلق منها وفيها رد بعض الشيء من الشيء وفيما ذهبتم اليه من تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوت بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى إلا أن يرد تأويله إلى ما ذكرنا لأنه عز وجل قال ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) ولم يذكر آدم في القصة انما هو ههنا مضاف اليه لتعريف ذريته انهم أولاده وفي الحديث انه مسح ظهره فلا يمكن رد ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتقاق إلا بالتأويل الذي ذكرناه قال الجرجاني وأنا أقول : ونحن إلى ما روي في الآية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وما ذهب اليه أهل العلم من السلف الصالح أميل وله أقبل وبه آنس واللّه ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى