الشيخ محمد رشيد رضا
401
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جميعا ذلك الوقت فهذا لا يذكره أحد منهم ( السابع ) قوله تعالى ( أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) فذكر حكمتين في هذا التعريف والاشهاد ( إحداهما ) أن لا يدعوا الغفلة ( والثانية ) أن لا يدعوا التقليد فالغافل لا شعور له والمقلد متبع في تقليده لغيره ( الثامن ) قوله ( تعالى أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك وهو سبحانه انما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم فلو أهلكهم بتقليد ابائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه وقد أخبر سبحانه انه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ، وانما يهلكهم بعد الاعذار والانذار ( التاسع ) انه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه انه ربه وخالقه واحتج عليهم بهذا الاشهاد في غير موضع من كتابه كقوله تعالى ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) أي فكيف يصرفون عن التوحيد بعد هذا الاقرار منهم أن اللّه ربهم وخالقهم وهذا كثير في القرآن فهذه هي الحجة التي اشهدهم على أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقوله تعالى ( أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ) فاللّه تعالى انما ذكرهم على ألسنة رسله بهذا الاقرار والمعرفة ولم يذكرهم قط باقرار سابق على إيجادهم ولا أقام به عليهم حجة ( العاشر ) انه جعل هذا آية وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها بحيث لا يتخلف عنها المدلول وهذا شأن آيات الرب تعالى فإنها أدلة معينة على مطلوب معين مستلزمة للعلم به فقال تعالى ( وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ) أي مثل هذا التفصيل والتبيين نفصل الآيات ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) من الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الايمان وهذه الآيات التي فصلها هي التي بينها في كتابه من أنواع مخلوقاته وهي آيات أفقية ونفسية ، آيات في نفوسهم وذواتهم وخلقهم وآيات في الأقطار والنواحي مما يحدثه الرب تبارك وتعالى مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدق رسله وعلى المعاد والقيامة ومن أبينها ما أشهد به كل واحد على نفسه من أنه