الشيخ محمد رشيد رضا

398

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

العقل ، وأراه من الآيات والدلائل على حدوثه ، وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه وإذا لم يجز ذلك فلا بد له من خالق هو غيره ليس كمثله . وليس من مخلوق يبلغ هذا المبلغ ولم يقدح فيه مانع من فهم إلا إذا حزبه أمر يفزع إلى اللّه عز وجل حين يرفع رأسه إلى السماء ويشير إليها بأصبعه علما منه بأن خالقه تعالى فوقه وإذا كان العقل الذي منه الفهم والافهام مؤديا إلى معرفة ما ذكرنا ودالا عليه فكل من بلغ هذا المبلغ فقد أخذ عليه العهد والميثاق إذ جعل فيه السبب والأدلة اللذين بهما يؤخذ العهد والميثاق ، وجائز أن يقال له قد أقر وأذعن وأسلم كما قال اللّه عز وجل ( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ) قال واحتجوا بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى ينتبه » وقوله عز وجل ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها ) ثم قال ( وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ) الأمانة هن عهد وميثاق فامتناع السماوات والأرض والجبال من حمل الأمانة خلوها من العقل الذي يكون به الفهم والافهام وحمل الانسان إياها لمكان العقل فيه قال وللعرب فيها ضروب نظم فمنها قوله ضمن القنان لفقعس بثباتها * ان القنان لفقعس لا يأتلى والقنان جبل فذكر انه قد ضمن لفقعس وضمانه لهم انهم كانوا إذا حزبهم أمر من هزيمة أو خوف لجأوا اليه فجعل ذلك كالضمان لهم ومنه قول النابغة كاجارف الجولان هلل ربه * وجوران منها خاشع متضائل وأجارف الجولان جبالها وجوران الأرض التي إلى جانبها وقال هذا القائل ان في قوله تعالى ( أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) دليلا على هذا التأويل لأنه عز وجل أعلم أن هذا الأخذ للعهد عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين . والغفلة ههنا لا تخلو من أحد وجهين أما أن تكون عن يوم القيامة أو عن أخذ الميثاق فاما يوم القيامة فلم يذكر سبحانه في كتابه انه أخذ