الشيخ محمد رشيد رضا

399

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عليهم عهدا وميثاقا بمعرفة البعث والحساب وانما ذكر معرفته فقط وأما أخذ الميثاق فالأطفال والاسقاط ان كان هذا العهد مأخوذا عليهم كما قال المخالف فهم لم يبلغوا بعد ما أخذ هذا الميثاق عليهم مبلغا يكون منهم غفلة عنه فيجحدونه وينكرونه فمتى تكون هذه الغفلة منهم وهو عز وجل لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم وذكر ما لا يجوز ولا يكون محال وقوله تعالى ( أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ) فلا يخلو هذا الشرك الذي يؤاخذون به أنفسهم ان يكون منهم أو من آبائهم فإن كان منهم فلا يجوز أن يكون ذلك الا بعد البلوغ وثبوت الحجة عليهم إذ الطفل لا يكون منه شرك ولا غيره وان كان من غيرهم فالأمة مجمعة على أن لا تزر وازرة وزر أخرى كما قال عز وجل في الكتاب وليس هذا بمخالف لما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم « إن اللّه مسح ظهر آدم وأخرج منه ذريته فأخذ عليهم العهد » لأنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم اقتص قول اللّه عز وجل فجاء مثل نظمه فوضع الماضي من اللفظ موضع المستقبل ، قال وهذا شبيه بقصة قوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ) فجعل سبحانه ما أنزل على الأنبياء من الكتاب والحكمة ميثاقا أخذه من أممهم بعدهم يدل على ذلك قوله تعالى ( ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ ) ثم قال للأمم ( أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ) فجعل سبحانه بلوغ الأمم كتابه المنزل على أنبيائهم حجة عليهم كأخذ الميثاق عليهم وجعل معرفتهم به اقرارا منهم : قلت . وشبيه به أيضا قوله تعالى ( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا ) فهذا ميثاقه الذي أخذه عليهم بعد ارسال رسله إليهم بالايمان به وتصديقه ، ونظيره قوله تعالى ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) وقوله تعالى ( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) فهذا عهده إليهم على ألسنة رسله ومثله قوله تعالى لبني إسرائيل ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) ومثله ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ )