الشيخ محمد رشيد رضا

38

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

للايذان بأنها نوع واحد فقال ( وإلى عاد أخاهم هودا . . . وإلى ثمود أخاهم صالحا . . . ولوطا . . . وإلى مدين أخاهم شعيبا ) وقد أعاد في قصة موسى ذكر الارسال للتفرقة ولكن بلفظ البعث وهو أخص وأبلغ من لفظ الارسال لأنه يفيد معنى الإثارة والازعاج إلى الشيء المهم ، ولم يذكر في القرآن الا في بعث الموتى وفي الرسالة العامة أي بعث عدة من الرسل ، وفي بعثة نبينا وموسى خاصة ، وكذا في بعث نقباء بني إسرائيل وبعث من انتقم منهم وعذبهم وسباهم حين أفسدوا في الأرض . فالتعبير بلفظ البعث هنا يؤكد ما افادته إعادة العامل من التفرقة بين نوعي الارسال - أعني أن لفظه الخاص مؤكد لمعناه العام - كما يؤكدها عطف هذه القصة على أولئك بثم التي تدل على الفصل والتراخي إما في الزمان وإما في النوع أو الرتبة والأخير هو المراد هنا . وبيانه ان هذا الارسال وما ترتب عليه وأعقبه في قوم موسى مخالف لجملة ما قبله مخالفة تضاد فقد أنقذت به أمة من عذاب الدنيا وهو تعبيد فرعون وملئه لها وسومهم إياها أنواع الخزي والنكال ، واهتدت إلى عبادة اللّه تعالى وحده وإقامة شرعه فأعطاها في الدنيا ملكا عظيما ، وجعل منها أنبياء وملوكا ، وأعد بذلك المهتدين منها لسعادة الآخرة الباقية فأين هذا الارسال من ذلك الارسال ، الذي أعقب أقوام أولئك الرسل في الدنيا عذاب الاستئصال ، وفي الآخرة ما هو أشد وأبقى من الخزي والنكال ؟ وقد يظهر للتراخي الزماني وجه باعتبار كون العطف على قصة نوح فان ما عطف عليها من قصص ومن بعده قد جعل تابعا ومتمما لها بعدم إعادة العامل « أرسلنا » كما تقدم آنفا ، وإلا فان شعيبا وهو آخر أولئك الرسل كان في زمن موسى وهو حموه ، وقد أوحى اللّه تعالى إلى موسى وهو لديه مع زوجه وأولاده في سيناء وارسله منها إلى فرعون وملئه لا نقاذ بني إسرائيل من حكمه وظلمه . ويؤيد ذلك كله أن اللّه تعالى ذكر إرسال نوح في سورة يونس وقفى عليه بقوله : ( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ ) الخ وقال بعد هذا ( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ) ومن المعلوم عقلا واستنباطا أن التراخي بين بعثة نوح ومن بعده من الرسل زماني إذ كان بعد تناسل الذين نجوا معه في السفينة وتكاثرهم وصيرورتهم شعوبا وقبائل ، وهذا الاجمال في سورة يونس في الرسل مبني على التفصيل الذي سبقه في سورة الأعراف التي نزلت قبلها أو هو اعمّ منه فان الأمم قد كثرت بين نوح وموسى عليهما السّلام وقد قال تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ) وقال لخاتم رسله ( مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا