الشيخ محمد رشيد رضا

39

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ) وقد بينا حكمة تخصيص من ذكر في هذه السورة منهم بالذكر وكذا من ذكر في سورة الأنعام وغيرها والمعنى ثم بعثنا من بعد أولئك الرسل موسى بآياتنا التي تدل على صدقه فيما يبلغه عنا إلى فرعون وملئه . اما فرعون فهو لقب لملوك مصر القدماء كلقب قيصر لملوك الروم وكسرى لملوك الفرس الأولين و « الشاه » لملوك الإيرانيين في هذا العصر ، وكانوا يطلقون على فرعون لقب الملك أيضا . واختلف في اشتقاق كلمة فرعون ومعناه ، وفي اسم فرعون موسى وزمنه ، وليس في الآثار المصرية ما يبين هذا واما ملؤه فهم اشراف قومه ورجال دولته ، ولم يقل إلى فرعون وقومه لان الملك ورجال الدولة هم الذين كانوا مستعبدين لبنى إسرائيل وبيدهم امرهم وليس لسائر المصريين من الامر شيء لأنهم كانوا مستعبدين أيضا ولكن الظلم على بني إسرائيل الغرباء كان أشد ، وانما بعث اللّه تعالى موسى لانقاذ قومه بني إسرائيل من فرعون ورجال دولته وإقامة دين اللّه تعالى بهم في بلاد أجدادهم ، ولو آمن فرعون وملؤه لآمن سائر قومهم لأنهم كانوا تبعا لهم بل كان هذا شأن جميع الأقوام مع ملوكهم المستبدين الجائرين ، وقد علم اللّه تعالى ان فرعون وملأه لا يؤمنون بموسى وان قومه تبع له لا اختيار لهم وأكثرهم مقلدون ولذلك قتل السحرة لما آمنوا بموسى ، وانما آمنوا لأنهم كانوا علماء مستقلي العقل أصحاب فهم ورأي ، وكان السحر من علومهم وفنونهم الصناعية التي تتلقى بالتعليم وليس كالآيات التي جاء بها موسى فإنها من خوارق العادات التي لا يقدر عليها إلا اللّه تعالى وقد أقام اللّه تعالى الحجة بآيات موسى على فرعون وملئه فَظَلَمُوا بِها اي فظلموا أنفسهم وقومهم بالكفر بها كبرا وجحودا فكان عليهم إثم ذلك وإثم قومهم الذين حرموا من الايمان باتباعهم لهم ، كما كان يكون لهم مثل أجورهم لو آمنوا بالتبع لهم ، وجملة القول إن موسى عليه السّلام كان مرسلا إلى قومه بني إسرائيل بالذات وإلى فرعون وملئه بالتبع ، ولك ان تقول ان الارسال إلى بني إسرائيل مقصد وإلى فرعون وملئه وسيلة . وقد عدي الظلم في الجملة بالباء لتضمينه معنى الكفر فصار جامعا للمعنيين ولا يصح تفسيره بأحدهما إذ لو أريد أحدهما لعبر به ولم يكن للتضمين فائدة . وقيل إن الباء في قوله فظلموا بها للسببية اي فظلموا أنفسهم وقومهم بسبب هذه الآيات ظلما جديدا