الشيخ محمد رشيد رضا
397
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والنهي وحجب عنا علم ما قدره في غير البالغين ، الا انا نعلم أنه عدل لا يجوز في حكمه ، وحكيم لا تفاوت في صنعه ، وقادر لا يسأل عما يفعل ، له الخلق والامر ، تبارك اللّه رب العالمين ( فصل ) ونازع هؤلاء غيرهم في كون هذا معنى الآية وقالوا معنى قوله ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) أي أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في أصلاب الاباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم بما أظهر لهم من آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم فليس من أحد الا وفيه من صنعة ربه ما يشهد على أنه باريه ونافذ الحكم فيه ، فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته كما قال في غير هذا الموضع ( شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) يريدهم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا نحن كفرة وكما تقول قد شهدت جوارحي بقولك تريد قد عرفته فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت ، ومن هذا اعلامه وتبيينه أيضا ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) يريد أعلم وبين فأشبه ذلك شهادة من شهد عند الحكام وغيرهم ، هذا كلام ابن الأنباري وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكيا عن أصحابه إن اللّه لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن كالكائن إذ علمه بكونه مانع من غير كونه تابع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد مما لم يقع بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه كما قال عز وجل في مواضع من القرآن كقوله ( وَنادى أَصْحابُ النَّارِ وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ - وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ ) قال فيكون تأويل قوله ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ ) وإذ يأخذ ربك وكذلك قوله ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ) أي ويشهدهم بما ركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ، ويجب به الثواب والعقاب وكل من ولد وبلغ الحنث ، وعقل الضر والنفع ، وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب صار كأن اللّه تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من