الشيخ محمد رشيد رضا

388

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

غافلين عن هذا التوحيد للربوبية وما يستلزمه من توحيد الإلهية بعبادة الرب وحده والمراد انه تعالى لا يقبل منهم الاعتذار بالجهل * * * أَوْ تَقُولُوا : إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ جاهلين ببطلان شركهم ، فلم يسعنا الا الاقتداء بهم أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ باختراع الشرك فتجعل عذابنا كعذابهم ، مع عذرنا بتحسين الظن بهم ، والمراد أن اللّه تعالى لا يقبل منهم الاعتذار بتقليد آبائهم وأجدادهم ، كما أنه لم يقبل منهم الاعتذار بالجهل ، بعد ما أقام عليهم من حجة الفطرة والعقل * * * وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي ومثل هذا التفصيل البليغ نفصل لبني آدم الآيات والدلائل ليستعملوا عقولهم ، ولعلهم يرجعون بها عن جهلهم وتقليدهم والآيات تدل على أن من لم تبلغه بعثة رسول لا يعذر يوم القيامة . بالشرك باللّه تعالى ولا بفعل الفواحش والمنكرات التي تنفر منها الفطرة السليمة ، وتدرك ضررها وفسادها العقول المستقلة ، وانما يعذرون بمخالفة هداية الرسل فيما شأنه أن لا يعرف الا منهم . وهو أكثر العبادات التفصيلية هذا ما يتبادر إلى الفهم من الآيات لذاتها ولكن ورد في أخذ الذرية من بني آدم واشهادهم على أنفسهم أحاديث وآثار لا يمكن أن تعرف إلا من خبر الوحي . وقد كانت موضوع بحث ومناقشة بين علماء المعقول والمنقول فنورد أمثل ما قالوه فيها قال الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية : - « يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن اللّه ربهم ومليكهم ، وأنه لا إله إلا هو ، كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه قال تعالى ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « كل مولود يولد على الفطرة » وفي رواية « على هذه الملة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه ، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء » . وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه