الشيخ محمد رشيد رضا

384

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الدنيا بالرشوة والسحت وغير ذلك ، أفلا تعقلون ذلك وهو ظاهر جليّ لا يخفى على عقل لم يطمسه الطمع الباطل ، في الحطام العاجل ، فترجحون الخير على الشر ، والنعيم العظيم الدائم ، على المتاع الحقير الزائل ، وقد علم من الآية ان الطمع في متاع الدنيا هو الذي استحوذ على بني إسرائيل فأفسد عليهم أمرهم ، ولا يزال هذا التفاني فيها أخص صفاتهم ، وقد سرى شيء كثير من هذا الفساد إلى المسلمين ، حتى رجال الدين الذين ورثوا الكتاب الكريم ، والقرآن الحكيم ، ودرسوا ما فيه ، غلب على أكثرهم الطمع في حطام الدنيا القليل ، وعرضها الدنيء ، والغرور بالنسبة إلى الاسلام والتحلي بلقبه ، والتعلل بأماني المغفرة مع الاصرار على الذنب والاتكال على المكفرات والشفاعات ، وهم يقرءون ما في الكتاب من النهي عن الأماني والأوهام ، ومن نوط الجزاء بالأعمال ، والمغفرة بالتوبة والاصلاح ، وكون الشفاعة لا تقع إلا باذن اللّه لمن رضي عنه كقوله ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) ولن يرضى اللّه عن فاسق ولا منافق ( فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) بل ما قص اللّه علينا مثل هذه الآيات من أخبار بني إسرائيل إلا لنعتبر بأحوالهم ، ونتقي الذنوب التي أخذهم بها ، ولكننا مع هذا كله اتبعنا سننهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، الا اننا نحمد اللّه ان هذا الاتباع فينا غير عام ، وانه لا يزال فينا طائفة ظاهرة على الحق يطعن فيها الجماهير الذين صار الاسلام فيهم غريبا ، وقد شرحنا ذلك مرارا بل صرحت الآيات بالتحذير من اتباع أهل الكتاب في أمانيهم وفي فسقهم كقوله تعالى ( لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) الخ وقوله ( أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) قرأ ( تَعْقِلُونَ ) بالتاء نافع وابن عامر وابن ذكوان وأبو جعفر وسهل ويعقوب وحفص فقيل إن الخطاب به لليهود المحكي عنهم بطريق الالتفات ، وقيل بل هو خطاب لهذه الأمة لتعتبر بحالهم ، وتجتنب ما كان سببا لسوء مآلهم ، من الاصرار