الشيخ محمد رشيد رضا
385
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
على سوء أعمالهم ، وقرأ الآخرون ( يعقلون ) على الأصل في الحكاية عن الغائبين ، ولو صح ما قيل من أن هذه الآيات نزلت وحدها في المدينة لصح أن يقال إن الخطاب موجه إلى اليهود المجاورين لها ، لأنهم آخر ذلك الخلف ، الذي نزل فيه هذا الوصف في ذلك الوقت * * * وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ قرأ الجمهور يمسكون بتشديد السين من مسك تمسيكا بمعنى تمسك تمسكا ، ومثله قدم بمعنى تقدم ، ومنه ( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) وقرأ أبو بكر وحماد يمسكون بالتخفيف من الامساك . - أي والذين يستمسكون بعروة الكتاب الوثقى ويعتصمون بحبله في جميع أحوالهم وأوقاتهم ، وأقاموا الصلاة التي هي عماد الدين في أوقاتها إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ انا لا نضيع أجرهم لأنهم هم المصلحون . واللّه لا يضيع أجر المصلحين ، فهو خبر قرن بالدليل ، ومثله قوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) . * * * وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ لعل حكمة ختم قصة بني إسرائيل بهذه الآية هنا للتذكير ببدء حالهم في انزال الكتاب عليهم في إثر بيان عاقبة أمرهم في مخالفته والخروج عنه ، فان في تلك الفاتحة إشارة إلى هذه الخاتمة ، وذلك عندما أخذ عليهم الميثاق ليأخذن بالشريعة بقوة وعزم فإنه رفع فوقهم الطور وأوقع في قلوبهم الرعب من خوف وقوعه بهم ، فلا غرو إذا آل أمرهم إلى ترك العمل به بعد طول الأمد وقساوة القلوب ، والانس بالذنوب ، وقد تقدم في معنى هذه الآية آيتان من سورة البقرة وأشير اليه في سورة النساء . وذكرنا آية الأعراف هذه في سياق تفسير آية البقرة الأولى . والمعنى واذكر أيها الرسول النبي الأمي إذ نتقنا فوق هؤلاء الجبل جبل الطور أي رفعناه كما عبر به في الآيات الأخرى وهو المروي عن ابن عباس - أو زلزلناه وهو مرفوع فوقهم مظلل لهم - كما يقال نتق السقاء إذا هزه ونفضه ليخرج منه الزبدة . قال الجمهور انه اقتلعه وجعله فوقهم ( فان قيل ) لو كان الأمر كذلك لكان ظلة بالفعل