الشيخ محمد رشيد رضا

383

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فماذا كان شأنهم ؟ الجواب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى أي يأخذون عرض هذا الشيء الأدنى ، أي هذا الحطام الحقير من متاع الدنيا ، والمراد به ما كانوا يأكلونه من السحت والرشى ، والاتجار بالدين والمحاباة في الحكم والفتوى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا أي سيغفر اللّه لنا ، ولا يؤاخذنا بما أذنبنا ، فإننا شعبه الخاص ، وسلائل أنبيائه ، ونحن أبناؤه وأحباؤه ، وما هذه الأقوال الا أماني ، وغرور وأوهام ، قال ابن كثير ، وقال مجاهد : هم النصارى ، وقد يكون أعم من ذلك اه وكل من القولين ينافيه مقتضى السياق ، فأوائل النصارى كانوا صالحين ، وسابق الكلام ولاحقه في اليهود وحدهم وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أي يقولون ذلك والحال أنهم مصرون على ذنبهم إن يأتهم عرض آخر مثل الذي أخذوه أولا بالباطل يأخذوه لا يتعففون عنه وإنما وعد اللّه في كتبه بالمغفرة للتائبين الذين يتركون الذنوب ندما وخوفا من اللّه ورجاء فيه ، ويصلحون ما كانوا أفسدوا ، كما تكرر في القرآن ، ومنه في سياق قصة موسى مع بني إسرائيل خطابا لهم من سورة طه ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) وقد ردّ اللّه تعالى عليهم زعمهم بقوله أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ الاستفهام للتقرير ، أي قد أخذ عهد اللّه وميثاقه في كتابه بأن لا يقولوا عليه غير الحق الذي بينه فيه ، فما بالهم يجزمون بأن اللّه سيغفر لهم مع اصرارهم على ذنوبهم على خلاف ما في الكتاب وَدَرَسُوا ما فِيهِ أي من تحريم أكل أموال الناس بالباطل والكذب على اللّه كقولهم إنه سيغفر لهم وغير ذلك ، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في العمل بكتابه كما في آخر سفر تثنية الاشتراع وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ؟ أي والدار الآخرة وما أعدّه اللّه فيها للذين يتقون الرذائل والمعاصي خير من الحطام الفاني من عرض