الشيخ محمد رشيد رضا

375

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ، قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 164 ) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 165 ) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ * * * هذه الآيات تفصيل لقوله تعالى في سورة البقرة ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ) إلى آخر الآيتين وقد تقدم تفسيرها ، ولا أعلم للقصة ذكرا من كتب اليهود المقدسة ولكنها كانت معروفة عندهم ، ولولا ذلك لبهتوا النبي ( ص ) في المدينة عندما نزل عليه ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ) أو لما آمن من آمن به من علمائهم إذا كانوا لا يعلمون ما حكى لهم عن اللّه تعالى انهم يعلمونه مؤكدا بلام القسم ، وإذا قال غير المسلم المؤمن : انه اطّلع على القصة في بعض كتبهم المقدسة أو التاريخية غير المقدسة أو سمعه من بعضهم - قلنا أولا : ان آيات سورة الأعراف هذه نزلت بمكة في أوائل الاسلام ، ولم يكن النبي ( ص ) لقي أحدا من اليهود - ومن المعلوم قطعا انه كان امّيّا لم يقرأ الكتب كما قال تعالى ( وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ، إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ) الخ . وثانيا : انه ( ص ) لم يكن يصدقهم بعد معاشرتهم في المدينة بكل ما يحكون عن كتبهم بل كذبهم عن اللّه تعالى في كثير منها ، ولم يكن يصدقهم في كل ما يقولونه غير منقول عن كتبهم بالأولى : وهاك تفسير الآيات بمدلول ألفاظها ، ولا نعتمد على شيء من الروايات فيها وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ الخطاب للرسول ( ص ) والسؤال فيه للتقرير المتضمن للتقريع ، والادلال بعلم ماضيهم . والمعنى واسأل بني إسرائيل عن أهل المدينة التي كانت حاضرة البحر أي قريبة منه ، راكبة لشاطئه إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ أي اسأل عن حالهم في الوقت الذي كانوا يعتدون في السبت ، ويتجاوزون حكم اللّه بالصيد المحرم عليهم فيه إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ أي سمكهم - ولا يزال أهل الحجاز يسمون السمكة حوتا