الشيخ محمد رشيد رضا
376
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كبيرة كانت أو صغيرة ، وأهل سورية يخصون السمكة الكبيرة باسم الحوت - وقد أضيفت الحيتان إليهم لما كان من ابتلائهم بها ، واحتيالهم على صيدها ، وكانت تأتيهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ أي تعظيمهم للسبت ، فهو مصدر سبتت اليهود تسبت إذا عظمت السبت بترك العمل فيه وتخصيصه للعبادة ( شُرَّعاً ) أي ظاهرة على وجه الماء كما روي عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى عنه ظاهرة من كل مكان - وهي جمع شارع ، كالركع السجد جمع الراكع والساجد ، من شرع عليه إذا دنا وأشرف وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ أي ولا تأتيهم يوم لا يعظمون السبت فعلا وتركا . قيل : إنها اعتادت أن لا يتعرض أحد لصيدها يوم السبت ، فأمنت وصارت تظهر فيه ، وتخفى في الأيام التي لا يسبتون فيها لما اعتادت من اصطيادها فيها ، فلما رأوا ظهورها وكثرتها في يوم السبت أغراهم ذلك بالاحتيال على صيدها ففعلوا كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي مثل هذا البلاء بظهور السمك لهم نبلوهم أي نختبرهم أو نعاملهم معاملة المختبر لحال من يريد إظهار كنه حاله ليترتب الجزاء على عمله بسبب فسقهم المستمر عن أمر ربهم ، واعتدائهم حدود شرعه * * * وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً أي واسألهم عن حال أهل تلك القرية في الوقت الذي قالت أمة وجماعة منهم كيت وكيت تدل هذه الآية على أن الذين كانوا يعدون في السبت بعض أهل القرية لا كلهم وأن أهلها كانوا ثلاث فرق : فرقة العادين التي أشير إليها في الآية الأولى ، وفرقة الواعظين الذين نهوا العادين عن العدوان ، ووعظوهم ليكفوا عنه وهي التي أشير إليها في هذه الآية . وفرقة اللائمين للواعظين التي قالت لهم : لم تعظون قوما قضى اللّه عليهم بالهلكة أو العذاب الشديد ، فهو اما مهلكهم بالاستئصال ، أو بعذاب شديد دون الاستئصال ، أو المعنى مهلكهم في الدنيا ومعذبهم في الآخرة - وأيا ما كان المراد فأو هنا هي المانعة للخلو من وقوع أحد الجزاءين ، لا المانعة لجمعهما ، فهي لا تنفي اجتماعهما . وفي الآية من الايجاز البليغ ما لا يوجد نظيره في غير القرآن