الشيخ محمد رشيد رضا
374
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقال هنالك ( فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ) فالاختلاف في ثلاثة مواضع ( أولها ) بين الارسال والانزال وهو لفظي إذ الارسال من فوق عين الانزال ( ثانيها ) بين المضمر « عَلَيْهِمْ » والمظهر ( على الذين ظلموا ) والمراد منهما أن ذلك الرجز عذاب كان خاصا بالذين ظلموا الا عاما فحسن أن يقول في آية الأعراف « عَلَيْهِمْ » لتصريحه بسببية الظلم بعده ولو قال « فأرسلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يظلمون » لكان تكرار التعليل بالظلم منافيا للبلاغة ، وهذا التكرار منتف في آية البقرة لان التعليل فيها بالفسق لا الظلم ( ثالثها ) بين يظلمون ويفسقون وفائدته بيان أنهم كانوا جامعين بين الظلم الذي هو نقص للحق أو ايذاء للنفس أو للغير ، وبين الفسق الذي هو الخروج عن الطاعة ولو في غير الظلم للنفس أو للناس . وحسن أن تكون هذه الزيادة في آية البقرة لأنها نزلت آخرا . والرجز العذاب الذي تضطرب له القلوب أو يضطرب له الناس في شؤونهم ومعايشهم كما تقدم تحقيقه في تفسير الآية ( 133 ) من هذه السورة وذكرنا فيها قول المفسرين إن الرجز الذي أرسله اللّه على الظالمين في قصة دخول القرية هو الطاعون وأنه جائز ولكن لم يثبت بنقل صحيح ، وقد عزاه بعض المفسرين إلى وهب بن منبه إن اللّه تعالى أنزل القرآن هدى وموعظة ، وجعل قصص الرسل فيه عبرة وتذكرة ، لا تاريخ شعوب ومدائن ، ولا تحقيق وقائع ومواقع . والعبرة في هذه القصة أن نتقي الظلم والفسق . ونعلم أن اللّه يعاقب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل الآخرة ، وأنه قد عاقب بني إسرائيل بظلمهم ، ولم يحل دون عقابه ما كان لهم من المزايا والفضائل ، وكثرة وجود الأنبياء فيهم . ومنه السياق الآتي * * * ( 162 ) وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 163 ) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ