الشيخ محمد رشيد رضا

34

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إليك بشيء ، ومن تلتزم له شيئا . والميثاق العهد الموثق بضرب من ضروب التأكيد . قال تعالى ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) أي أوفوا بما عهدت به إليكم أوف لكم بما وعدتكم به من الجزاء على ذلك . وكل منهما يسمى عهد اللّه وقال الراغب : عهد اللّه تارة يكون بما ركزه في عقولنا وتارة يكون بما أمرنا به في الكتاب وبألسنة رسله ، وتارة بما نلتزمه وليس بلازم في أصل الشرع كالنذور وما يجرى مجراها اه . والمراد من الأول العهد الذي تقتضيه فطرة اللّه التي فطر الناس عليها فهي عهد منه يطالب الناس به ويحاسبهم عليه ومنه الحنيفية وأصلها الميل عن جانب الباطل والشر إلى جانب الحق والخير ، فقد فطر اللّه أنفس البشر على الشعور بسلطان غيبي فوق جميع قوى العالم - وعلى إيثار ما تراه حسنا واجتناب غيره - وعلى حب الكمال وكراهة النقص . ولكنهم يخطئون في تحديد هذه المعاني ويحتاجون إلى بيانها بوحي من اللّه تعالى وهو عهد اللّه المفصل الذي يرسل به رسله لمساعدة الفطرة على تزكية النفس وإزالة ما يطرأ عليها من الفساد بالجهل وسوء الاختيار . ومن الأصول العامة لعهد اللّه العام ، على ألسنة الرسل عليهم السّلام ، ما بينه تعالى في أوائل هذه السورة بعد بيان النشأة الآدمية ، والنشأة الشيطانية ، وما بينهما من التنافر والتعادي ، اعني تلك المناداة التي نادى بها بني آدم في الآيات العشر من 25 إلى 34 ومنها التحذير من فتنة الشيطان وهو ما عهده إليهم بقوله ( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ « 1 » ) ( ومنها ) الوصايا العشر التي هي أصول الدين وقواعده الكبرى في الآيات الثلاث 151 - 153 من سورة الأنعام وفي الثانية منها قوله تعالى ( وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ) « 2 » وقد فسر بعض السلف العهد بالميثاق الفطري العام الذي يأتي بيانه في قوله تعالى من هذه السورة ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قالُوا بَلى ) الخ رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية وابن المنذر عن أبيّ بن كعب ، وهما وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد

--> ( 1 ) راجع تفسيرها في ص 357 - 401 ج 8 تفسير ( 2 ) راجع تفسيرها في ص 183 - 199 ج 8 تفسير