الشيخ محمد رشيد رضا
35
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وروى أبو الشيخ عن قتادة قال لما ابتلاهم بالشدة والجهد والبلاء ثم أتاهم بالرخاء والعافية ذم اللّه أكثرهم عند ذلك فقال ( وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ ) ويعني ما تقدم من شأن الفطرة في الرجوع إلى اللّه عند الشدة وكون هؤلاء لم تؤديهم البأساء والضراء . وهذا فرع من فروع العهد الفطري ، وقيل إنه أراد به انهم كانوا يعاهدون اللّه تعالى عند الضيق بأن يشكروا له ويوحدوه إذا أنجاهم كما حكي عن بعضهم في عدة سور . وروي عن ابن مسعود تفسير العهد بالايمان اخذا من قوله تعالى ( إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً ) وهو يتفق مع القول الأول وان لم يصرح به كما قال الحافظ ابن كثير في تفسير الجملة : وما وجدنا لأكثرهم أي لأكثر الأمم الماضية من عهد ( ثم قال ) والعهد الذي اخذه هو الذي جبلهم عليه وفطرهم عليه واخذ عليهم في الاصلاب انه ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو ، وأقروا بذلك وشهدوا على أنفسهم به ، وخالفوه وتركوه وراء ظهورهم وعبدوا مع اللّه غيره بلا دليل ولا حجة لا من عقل ولا من شرع ، وفي الفطر السليمة خلاف ذلك ، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك كما جاء في صحيح مسلم « يقول اللّه : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحلت لهم » وفي الصحيحين « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » الحديث . اه والصواب ان العهد يعم هنا كل ما يصلح له من عهد فطري وشرعي وعرفي مما يلتزمه الناس بعضهم مع بعض في تعاهدهم وتعاقدهم لأنه جاء نكرة في سياق النفي مع تأكيد النفي بمن كأنه قال : وما وجدنا لأكثر أولئك الأقوام عهدا ما يفون به وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ اي وان الشأن الذي وجدنا عليه أكثرهم هو التمكن من الفسوق وهو الخروج عن كل عهد فطري وشرعي بالنكث والغدر ، وغير ذلك من المعاصي . وإنما حكم على الأكثر لان بعضهم قد آمن والتزم كل عهد عاهد اللّه عليه أو عاهده اللّه عليه أو تعاهد عليه مع الناس ، ومنهم من كان يفي ببعض ذلك حتى في حال الكفر إذ لا تتفق افراد أمة كبيرة على الشر والباطل في كل شيء ، وهذا من دقة القرآن في تحديد الحقائق بالصدق الذي لا تشوبه شبهات المبالغة بما يسلب أحدا