الشيخ محمد رشيد رضا
351
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كانت لغتهم تساعدهم على ذلك » وهو ان الأصل في شرط إن يكون مما يجهله المخاطب أو ينكره أو يشك فيه أو ما ينزل هذه المنزلة ، وان شرط إذا بخلافه كما هو مقرر في علمي المعاني والنحو بأمثلته . وأما الجمل فأكتفي منها بايراد شاهد واحد وهي الجملة المقيدة بالحال والفرق فيها بين الحال المفردة وجملة الحال ويترتب على ذلك أحكام شرعية كما بيناه في تفسير قوله تعالى من سورة النساء ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا - 4 : 43 ) فقوله تعالى ( وَأَنْتُمْ سُكارى ) جملة حالية مقيدة للنهي وقوله ( جُنُباً ) حال مفردة مقيدة له أيضا ، ولكن الأولى تفيد النهي عن السكر قبل الصلاة لئلا يأتي وقت الصلاة في حال السكر فيضطر السكران إلى ترك الصلاة أو إلى أدائها وهو سكران وهو المنهي عنه في الآية . وأما الثانية فلا تدل على ترك أسباب الجنابة قبل وقت الصلاة ولا في وقتها إلا أن يعلم أنه لا يتمكن من فعل الطهارة وأداء الصلاة قبل ذهاب الوقت . ومثاله ما قاله الفقهاء في النذر وهو ان من قال : للّه عليّ أن أعتكف صائما وجب عليه أن يصوم لأجل الاعتكاف ولا يجزئه أن يعتكف في رمضان ، ومن قال : للّه عليّ أن أعتكف وأنا صائم لا يلزمه صوم لأجل الاعتكاف بل يجزئه أن يعتكف في رمضان . ويراجع وجه كل منهما في تفسير الآية ( ص 115 ج 5 تفسير ) فهل يفهم مترجم القرآن بالتركية مثل هذه الدقائق ؟ وهل تساعده لغته على مراعاتها ان كان يفهمها ؟ أم يحتاج إلى شرح وتفسير لبيانها فيكون مفسرا لا مترجما ؟ ؟ هذا شاهد من شواهد دقة التعبير في الأحكام الشرعية العملية . وأما دقة التعبير ، وبلاغته في الوصف المفيد للموعظة والتأثير ، فمن عجائب شواهده وصف الظالمين يوم القيامة في قوله تعالى من سورة إبراهيم ( إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ * وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) ( 42 و 43 ) شخوص الأبصار عبارة عن ارتفاعها وكون أجفانها مفتوحة ساكنة لا تطرف و ( مُهْطِعِينَ ) من أهطع البعير إذا صوّب عنقه ومد بصره ، وقيل الاهطاع أن تقبل مصرك على المرئي تديم النظر اليه لا تلتفت إلى غيره ويأتي بمعنى الاسراع . و ( مُقْنِعِي