الشيخ محمد رشيد رضا
352
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رُؤُسِهِمْ ) من أقنع البعير رأسه إلى الحوض ليشرب إذا رفعه ، وقيل إنه يكون رفعا وخفضا فهو من أسماء الاضداد ، وقوله ( لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ) معناه ان لهم في شخوص الأبصار وإهطاعها مع امتداد الأعناق وتصويبها إلى ما تنظر اليه شغلا شاغلا لها ان ترجع إليهم فتكون طوع ارادتهم يوجهونها حيث شاؤوا ، بل هم في هول وكرب لا مشيئة ولا سلطان لهم معهما على أبصارهم ، بل عيونهم ممدودة مفتوحة لا تطرف ولا تتحرك ولا تتوجه إلى شيء اخر بتصويب ولا تصعيد . ثم بين علة هذا وسببه في النفس فقال ( وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ ) أي خلاء خاوية من العقل فاقدة للقوة والإرادة . لعمر الحق إذا تصور من يفهم هذا الوصف حق الفهم قوما هذه حالهم في ذلك اليوم حتى كأنه يراهم ، ليأخذن الرعب بمخنقه ، وليستحوذن الذعر على شعوره وادراكه ، ولا سيما إذا كان من العرب الخلّص أو الاعراب الاقحاح ، واذكر من الكنايات مثل الرفث وافضاء الزوج إلى الزوج وقوله تعالى ( فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً ) وقوله تعالى ( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ) * وقوله ( نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) وقوله ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ) فإذا فرضنا أن في اللغة التركية وغيرها لفظا بمعنى التغشي الدال على الستر ولفظا بمعنى الحرث وهو الزرع لأن معانيهما كالمسّ والملامسة مشتركة بين الشعوب فهل تستعمل هذه الالفاظ وما في معناها في لغاتهم كناية عن الوظيفة الزوجية السرية كما تستعمل في العربية ؟ وأما أسلوب القرآن فالكلام فيه هو البحر الخضم ، والقاموس المحيط الأعظم ، فإنه أظهر وجوه الاعجاز اللفظية ، وذلك أنه يمزج فنون الكلام ، وينظم مقاصد الهداية والارشاد ، على اختلاف أنواعها ، وتباين موضوعاتها ، مزجا متلائما ، ونظما متناسبا متناسقا ، موافقا للذوق السليم ، مطابقا لنكت البلاغة . فالعقائد الآلهية ، والدلائل العلمية والعقلية ، والأخبار الغيبية ، والسنن الكونية والاجتماعية ، والمواعظ الأخلاقية والأدبية ، وأحكام العبادات والمعاملات القضائية والسياسية ، وقصص الأنبياء ، ووصف الأرض والسماء ، وما فيهما من جمادات وأحياء ، وما بينهما من هواء وهباء ، تراه كله في السورة الواحدة ، وترى الكثير منه في آية واحدة ، بعبارة بديعة مؤثرة ، ينتقل فيها العقل من فائدة إلى فائدة ، ويتقلب