الشيخ محمد رشيد رضا

33

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الْمُعْتَدِينَ ) فالمراد بهؤلاء الرسل الذين بعثوا بعد نوح من ذكروا في سورة الأعراف ولذلك قال هنا وهنالك ( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى ) * وحينئذ يحتمل أن يقال في آية الأعراف أن أهل تلك القرى في جملتهم ومجموعهم لم يكن من شأنهم أن يؤمن المتأخر منهم بما كذب به المتقدم وهم قوم نوح بالنسبة إلى الجميع ثم قوم هود بالنسبة إلى قوم صالح الخ والراجح المختار هو الأول - ويليه هذا - والثاني باطل البتة كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ أي مثل هذا الذي وصف من عناد هؤلاء واصرارهم على ضلالهم ، وعدم تأثير الدلائل والبينات في عقولهم ، يكون الطبع على قلوب الذين صار الكفر صفة لازمة لهم ، بحسب سنة اللّه تعالى في أخلاق البشر وشؤونهم ، وذلك بأن يأنسوا بالكفر وأعماله حتى تستحوذ أوهامه على أفكارهم ، ويملأ حب شهواته جوانب قلوبهم ، ويصير وجدانا تقليديا لهم ، لا يقبلون فيه بحثا ، ولا يسمعون فيه نقدا ، فيكون كالسكة التي طبعت في أثناء لين معدنها بصهره واذابته ثم جمدت فلا تقبل نقشا ولا شكلا آخر ومن وجوه تسلية النبي ( ص ) بالآية إعلامه ان من وصلوا بالاصرار على الجحود والعناد أو التقليد إلى هذه الدرجة من فساد الفطرة واهمال استعمال العقل لا يؤمنون بالبينات وان وضحت ، ولا بالآيات وان اقترحت ، فقد كان كفار مكة يقترحون عليه الآيات وكان يتمنى ان يؤتيه اللّه ما اقترحوا منها حرصا على ايمانهم ، حتى بين اللّه تعالى له هذه الحقائق من طباع البشر وأخلاقهم ، وتقدم هذا البيان في آيات من أوائل سورة الأنعام وأثنائها ، ومما يناسب ما هنا منها قوله تعالى ( 6 : 108 وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها . قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ، ( 119 ) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) فقوله تعالى ( كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) بمعنى قوله هنا « فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل » * * * وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ العهد الوصية بمعنى إنشائها وبمعنى متعلقها وهو ما يوصي به الموصي . وعهدت اليه بكذا وصيته بفعله أو حفظه . ويكون بين طرفين وهو المعاهدة كما يكون من طرف واحد وهو من يعهد