الشيخ محمد رشيد رضا
339
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( ثانيا ) ان سبب اشارته إلى ضعفه هو أن تفسير المعاني بما ذكروه ظاهر البطلان لا يمكن أن يريده الإمام أبو حنيفة ، ولا من دونه في علم اللغة والدين : أعني أن تكون معانيه هي مدلول كلمة القرآن كله أو بعضه ، بأن تكون سورة الفاتحة الواجبة في الصلاة - وهي موضوع مسألة أبي حنيفة قبل كل شيء - موجودة في التوراة بهذا النظم والترتيب ، ولكن بألفاظ عبرانية ، إذ لو كان الأمر كذلك لكان القرآن ترجمة للتوراة ، وصح أن يقال : إنه هو التوراة ، ولا نطيل في بيان وجوه فساد هذا القول وبطلانه ، وما كان يترتب عليه لو كان مرادا من الأباطيل كاحتجاج اليهود وغيرهم على النبي ( ص ) بأنه لم يأت بكتاب جديد من عند اللّه بل بترجمة بعض التوراة ( ثالثا ) ان فرضنا أن هذا مراد في بعض القرآن كقصة موسى التي في سورة الشعراء أو مطلقا دون الفاتحة ومثل قصة بدر وأحد ، وأن من قرأ قصة موسى في سورة الشعراء يصح أن يقول : قرأت التوراة مترجمة بالعربية فان هذا على كونه - ليس بصحيح أيضا على حقيقته - لا يدل على جواز ترجمة القرآن كله كما أن الذي يقرأ القصة في سفر الخروج من التوراة لا يصح ان يقول : قرأت القرآن - الذي هو موضوع الخلاف . وانما قصارى ما يدل عليه أن تجوز قراءة عبارة التوراة الموافقة للقرآن في الصلاة ، وأن يقاس عليها جواز ترجمتها بالفارسية مثلا ، ولم يقل بالأصل أبو حنيفة ولا غيره من علماء المسلمين حتى يصح قياسهم عليه . وههنا مجال واسع للتجهيل والسخرية بمن يتهوّكون مثل هذا التهوّك الذي نحن بصدده ، وينشرونه على الناس في مسألة عظيمة كهذه فتركه عفوا عنهم ( رابعا ) اتفق السلف والخلف من علماء التفسير على أن الكلام في الآية مقدر فيه مضاف قبل ضمير القرآن ومضاف قبل زبر الأولين - كما قال ابن جرير - والمعنى وان ذكره أو خبره أو دليل صدقه - مثلا - لثابت في بعض زبر الأولين . ولهم في الضمير قولان ( أحدهما ) أنه القرآن - وهو المتبادر من السياق قبله - والثاني أنه النبي ( ص ) كما قال ( يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل )