الشيخ محمد رشيد رضا
32
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بين فقهها وما فيها من الحكم في الآيات السبع التي قبلهما . قال تعالى تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها كلام مستأنف قفي به على جملة قصص الرسل عليهم السّلام التي تقدمت وما عطف عليها من بيان حكمها وفقهها فكانت كالفذلكة لها ، فالقري هنا هي المعهودة في هذه القصص ، وحكمة تخصيصها بالذكر أنها كانت في بلاد العرب ما جاورها وكان من بعد قوم نوح من العرب ، وكان أهل مكة وغيرهم من العرب الذين هم أول من وجهت إليهم دعوة الاسلام يتناقلون بعض أخبارها مبهمة مجملة ، وكانت على هذا كله قد طبعت على غرار واحد في تكذيب الرسل ، والتماري فيما جاؤوا به من النذر ، إلى أن حل بهم النكال ، وأخذوا بعذاب الاستئصال ، فالعبرة فيها كلها واحدة . وليس كذلك قوم موسى فإنهم آمنوا . وانما كذب فرعون وملؤه فعدبوا ، ولذلك أخر قصته والمعنى تلك القرى التي بعد عهدها ، وطال الأمد على تاريخها ، وجهل قومك أيها الرسول حقيقة حالها ، نقص عليك الآن بعض أنبائها ، وهو ما فيه العبرة منها ، وإنما قال نقص لا قصصنا لأن هذه الآية نزلت مع تلك القصص لا بعدها . وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ أي ولقد جاء أهل تلك القرى رسلهم بالبينات الدالة على صدق دعوتهم ، وبالآيات التي اقترحوها عليهم لإقامة حجتهم ، بأن جاء كل رسول قومه بما أعذر به إليهم ، فلم يكن من شأنهم أن يؤمنوا بعد مجيء البينات بما كانوا كذبوا به من قبل مجيتها عند بدء الدعوة إلى توحيد اللّه تعالى وعبادته وحده بما شرعه وترك الشرك والمعاصي . وقيل إن الباء للسببية والمعنى فما كانوا ليؤمنوا بعد بعثته بسبب تعودهم تكذيب الحق قبلها ، وهو تأويل واه جدا فان قوله فما كانوا نفي للشأن ، وليس من شأن كل من كذب بشيء أن يصر عليه بعد ظهور البينات على خطإه فيه ، ولكن شأن بعض المكذبين عنادا أو تقليدا أن يصروا عليه بعد إقامة البينة لأنها لا قيمة لها عندهم ، فهم إما جاحد معاند ضل على علم ، وإما مقلد يأبى النظر والعلم . على أن ما قالوه لا يفهم من الآية الا بتكلف يخالفه المتبادر من اللفظ فالعجب ممن اقتصر عليه ولم يفهم غيره . وسيأتي في سورة يونس بعدد وخلاصة قصة نوح عليه السّلام ( ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ