الشيخ محمد رشيد رضا
330
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يدينون به ويهتدون بهديه ، ويعبدون اللّه بتلاوته ، ولتتحقق بينهم الوحدة المشار إليها بقوله فيه ( 21 : 92 إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ) ويكونوا جديرين بأن يعتصموا به وهو حبل اللّه فلا يتفرقوا ، ولتكمل فيهم اخوة الاسلام التي حتمها عليهم بقوله ( 49 : 10 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) ولذلك انتشرت اللغة العربية في البلاد التي فتحها الصحابة بسرعة غريبة مع عدم وجود مدارس ولا كتب ولا أساتذة للتعليم ، واستمرت الحال على ذلك في زمن الأمويين في الشرق والغرب وفي أول مدة العباسيين حتى صارت العربية لغة الملايين من الاوربيين والبربر والقبط والروم والفرس وغيرهم في ممالك تمتد من القاموس المحيط الغربي ( الاتلانتيك ) إلى بلاد الهند ، فهل كان هذا إلا خيرا عظيما تآخت فيه شعوب كثيرة ، وتعاونت على مدنية كانت زينة للأرض ، وضياء ونورا لأهلها ؟ ثم هفا المأمون في الشرق هفوة سياسية حركت العصبية الجنسية في الفرس فأنشؤا يتراجعون إلى لغتهم ويعودون إلى جنسيتهم ، وجاء الأتراك ففعلوا بالعصبية الجنسية ما فعلوا ، فسقط مقام الخلافة وتمزق شمل الاسلام بقوة ملوك الطوائف . ولكن لم تصل الفتنة بالناس إلى ايجاد قرآن أعجمي للأعاجم وابقاء القرآن العربي المنزل خاصا بالعرب ، بل بقي الدين والعلم عربيين وراء إمامهما الذي هو القرآن . فالواجب على دعاة الاصلاح في الاسلام الآن أن يجتهدوا في إعادة الوحدة الاسلامية إلى ما كانت عليه في الصدر الأول خير قرون الاسلام ، وأن يستعينوا على ذلك بالطرق الصناعية في التعليم ، فيجعلوا تعلم العربية اجباريا في جميع مدارس المسلمين ، ويحيوا العلم بالاسلام بطريقة استقلالية لا يتقيدون فيها بآراء المؤلفين في القرون الماضية المخالفة لطبيعة هذا العصر في أحوالها المدنية والسياسية . ولكننا نرى بعض المفتونين منا بسياسة أوروبا يعاونونها على تقطيع بقية ما ترك الزمان من الروابط الاسلامية بتقوية العصبيات الجنسية حتى صار بعضهم يحاول إغناء بعض شعوبهم عن القرآن المنزل ! : ألا إنها فتنة في الأرض وفساد كبير وقى اللّه المسلمين شره . فهذا ما أقوله الآن في ترجمة القرآن للمسلمين دون