الشيخ محمد رشيد رضا

329

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 14 ) إذا ترجم القرآن التركي والفارسي والهندي والصيني الخ ، فلا بد أن يكون بين هذه التراجم من الخلاف مثل ما بين تراجم كتب العهد العتيق والعهد الجديد عند النصارى « 1 » وقد رأينا ما استخرجه لهم صاحب إظهار الحق من الخلافات التي كنا نقرؤها ونحمد اللّه تعالى ان حفظ كتابنا من مثلها ، فكيف نختارها بعد ذلك لأنفسنا ؟ ( 15 ) ان القرآن هو الآية الكبرى على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بل هو الآية الباقية من آيات النبيين . وانما يظهر كونه آية باقية محفوظة من التغيير والتبديل ، والتحريف والتصحيف ، بالنص الذي نقلناه عمن جاء به من عند اللّه والترجمة ليست كذلك هذا ما تراءى لنا من الوجوه المانعة من ترجمته للمسلمين ليكون لهم قرآن أعجمي بدل القرآن العربي ، وإذا كان بعض هذه الوجوه مما يمكن ادخاله في البعض - وانما ذكر هكذا لزيادة الايضاح - فان هناك وجوها أخرى يمكن استنباطها لمن تأمل وفكر في وقت صفاء الذهن وصحة البدن ، بل منها ما تركناه مع تذكره وأما دعوى القائلين بوجوب ترجمته أن عدم جواز الترجمة يستلزم ايجاب بقائه غير مفهوم فهي ممنوعة ، فإننا نقول إن فهمه سهل ، ولكن ليس لأحد أن يجعل فهمه حجة على غيره فكيف يجعله دينا لشعب برمته . وإن لاهتداء المسلم الأعجمي بالقرآن درجتين - درجة دنيا خاصة بالعوام الذين لا يتيسر لهم طلب العلم فيحفظون الفاتحة وبعض السور القصيرة لأجل قراءتها في الصلاة ويترجم لهم تفسيرها ، وتقرأ امامهم في مجالس الوعظ بعض الآيات ويذكر لهم تفسيرها ، بلغتهم كما جرى عليه كثير من الأعاجم حتى ببلاد الصين - ودرجة عليا للمشتغلين بالعلم وهؤلاء يجب أن يتقنوا لغته ويستقلوا بفهمه مستعينين بكلام المفسرين غير مقلدين لأحد منهم ان الأعاجم الذين دخلوا في الاسلام على أيدي الصحابة الكرام قد فهموا أن للاسلام لغة خاصة به لا بد أن تكون عامة بين أهله ليفهموا كتابه الذي

--> ( 1 ) بل يكون الخلاف عندنا أشد لعجز جميع البشر عن ترجمة القرآن دون التوراة والإنجيل