الشيخ محمد رشيد رضا

31

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أولا في تفسير أمثال هذه الآيات المبينة لهذه الحقائق ، ثم في وعظ الأمة بها ، وانذارهم عاقبة الاعراض عنها ، وترك الاتعاظ بتدبرها ، ومن يقرأ شيئا من تفسيرها فإنما يعنى باعرابها ، والبحث في ألفاظها ، أو جدل المذاهب فيها ، ثم إنهم يجعلون معانيها خاصة بالكافرين ، ويفسرون الكافرين بمن لا يسمون أنفسهم مسلمين ، وطالما انكر علينا بعض أدعياء العلم والدين ، اننا جعلنا الآيات التي نزلت في الكفار ، شاملة لأهل الاسلام ولايمان مأفوكين عن تدبرها المراد منها جاهلين للسنن العامة فيها . وكذلك كان يقول أهل الكتاب من قبلهم ، فظنوا كما ظنوا ان اللّه تعالى يحابي الأقوام لأجل رسلهم ، وأنه يعطيهم سعادة الدنيا والآخرة بجاههم لا باتباعهم ، وقد راجت هذه العقائد الفاسدة في المسلمين ، وكانت تجاره للشيوخ المقلدين الجامدين ، والدجالين الضالين المضلين فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ بل كانوا فتنة للكافرين ، وحجة على الدين ، كما بيناه من قبل وفي هذا السياق آنفا ( أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ) ؟ أفلا يعتبرون بقول رسولهم ( ص ) « شيتنى هود وأخواتها » « 1 » ( أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ) * * * ( 100 ) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ، وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ * * * وجه الخطاب في هاتين الآيتين إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لأجل تسليته وتثبيت فؤاده بما في قصص أولئك الرسل مع أقوامهم من العبر والسنن التي

--> ( 1 ) رواه الطبراني في الكبير عن عقبة بن عامر وأبي جحيفة بسند صحيح ، ورواه هو والترمذي والحاكم عن غيرهما وفيه زيادة بيان لاخواتها وابن عساكر مرسلا بزيادة « وما فعل بالأمم قبلي » وهو وجه العبرة بهود