الشيخ محمد رشيد رضا
318
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ذلك بالقول والفعل ، كالطعن الصريح في الدين والاستهزاء به حتى في الصحف العامة وكإباحة الزنا والسكر للمسلمين والمسلمات ، وبروز النساء التركيات في معاهد الفسق ومحافل الرقص كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، إلى غير ذلك من منافيات الدين ، ولكن هذا كله لم يرو غليل العصبية اللغوية التورانية ، ولم يذهب بحقدها على الرايطة الاسلامية ، وآدابها الدينية العربية ، بل كان من كيدها لها السعي لإزالة كل ما هو عربي من نفس الشعب التركي ولسانه ، وعقله ووجدانه ، ليسهل عليهم سله من الاسلام ، بمعونة التربية الجديدة والتعليم العام ، بل عمدوا إلى هذه الشجرة الطيبة الثابت أصلها ، الراسخ في أرض الحق والعدل والفضل عرقها ، الممتد في أعالي السماء فرعها ، التي تؤتي أكلها كل حين باذن ربها ، عمدوا إليها لاجنثاث أصلها واقتلاع جذرها يعد ما كان من التحاء عودها ، وامتلاخ أملودها ، وخضد شوكتها وعضد خصلتها ، بعد أن نعموا بضعة قرون بثمرتها ، وإنما تلك الشجرة الطيبة هي القرآن الكريم الحكيم المجيد العربي المبين ، هي الزيتونة المباركة الموصوفة بأنها لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار ، فإذا مسته نار الايمان بحرارتها اشتعل نورا على نور ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) وانما أعني بقطع هذه الشجرة المباركة من أرض الشعب التركي محاولة حرمانه منه ، ذلك بأنهم ترجموا القرآن بالتركية لا ليفهمه الترك ، فان تفاسيره بلغتهم كثيرة وكان من مقاصد ابطال المدارس الدينية ابطال دراستها ( أي التفاسير حتى التركية ) وحظر مدارسة كتب السنة وكتب الفقه ونحوها ، لأنها مشحونة بآيات القرآن العربية ، وبالأحاديث النبوية العربية ، وبآثار السلف الصالح العربية ، وبالحكم والأمثال وشواهد اللغة العربية ، وهم يريدون محو كل ما هو عربي من اللغة التركية ، ومن أنفس الأمة التركية ، حتى أنهم ألفوا جمعية خاصة لما عبروا عنه « بتطهير اللغة التركية » من اللغة العربية ، واقترح بعضهم كتابة لغتهم بالحروف اللاتينية ، وإذا طال أمد نفوذ الملاحدة في هذا الشعب الاسلامي الكريم فإنهم سينفذون هذا الاقتراح قطعا كما نفذوا غيره حتى استبدال قرآن تركي يلفقه بعض ملاحدة التورانيين ، بالقرآن الذي نزل به الروح الأمين ، على قلب خاتم النبيين ، بلسان عربي مبين ،