الشيخ محمد رشيد رضا

319

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المتعبد بألفاظه العربية باجماع المسلمين ، والمعجز ببلاغته العربية لجميع العالمين ، وكونه حجة اللّه تعالى عليهم إلى يوم الدين * * * أرأيت أيها القارئ هذا الخطب العظيم ؟ أرأيت هذا البلاء المبين ؟ أرأيت هذه الجرأة على رب العالمين ؟ أرأيت هذه الصدمة لدين اللّه القويم ؟ أرأيت هذا الشنآن والاحتقار لاجماع المسلمين ؟ ورفض ما جروا عليه مدة ثلاثة عشر قرنا ونصف ؟ ثم أرأيت بعد هذا كله ما كان من تأثير ذلك في مصر أعرق بلاد الاسلام في الفنون العربية ، والعلوم الاسلامية ، لقد كان من تأثير ذلك ما هو أقوي البراهين ، على فوضى العلم والدين ، واختلال المنطق وفساد التعليم ، والجهل الفاضح بضروريات الاسلام وشؤون المسلمين ، لقد كان أثر ذلك الجدال والمراء ، وتعارض الآراء والأهواء ، وتسويد الصحائف المنشرة ، بمثل ما شوهوها به في مسألة الخلافة ، وقد كان يجب أن تكون مسألة القرآن أبعد عن أهواء الخلاف ، للنصوص الكثيرة الصريحة فيها ، وإجماع السلف والخلف بالعلم والعمل عليها ، وعدم شذوذ أصحاب المذاهب والفرق حتى المبتدعة عنها ، فقد كثر الخلاف والتفرق في الدين ، وتعددت الأحزاب والشيع في المسلمين ، على ما ورد في النهي عن ذلك والوعيد عليه في الآيات الصريحة ، والأحاديث الصحيحة ، وارتد بعض الفرق عن الدين ، بضروب من فاسد التأويل ، وسخافات من أباطيل التحريف ، كما فعل زنادقة الباطنية وغيرهم ، قبل أن يقووا ويصرحوا بكفرهم ، ولم تقم فرقة تنتمي إلى الاسلام بترجمة القرآن ولا ضلت طائفة بترجمة أذكار الصلاة والاذان ، لأجل الاستغناء بها في التعبد للّه ، عن اللفظ المنزل من عبد اللّه ، وانما قصارى ما وقع من الخلاف فيما حول ذلك من فروع المسألة ، ومن تصوير الفقهاء للوقائع النادرة ، انه إذا أسلم أعجمي مثلا وأردنا تعليمه الصلاة فلم يستطع لسانه أن ينطق بألفاظ الفاتحة فهل يصلي بمعانيها من لغته ، أم يستبدل بها بعض الأذكار العربية المأثورة موقتا ريثما يتعلم القرآن كما ورد في بعض الأحاديث ، أم يصلي بترجمة الفاتحة بلغته ؟ نقل القول الأخير عن أبي