الشيخ محمد رشيد رضا
30
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عليه حتى يطبع على قلبه ، وهو مستعار من طبع السكة ونقشها بصورة أو كتابة لا تقبل غيرها أو من الطبع الذي بمعنى الختم كقوله تعالى ( خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ) والطابع والخاتم ( بفتح الباء والتاء ) واحد . وقيل إنه مأخوذ من الطبع ( بالتحريك ) وهو الصدأ الشديد يعرض للسيف ونحوه فيفسده . يقال طبع الطباع السيف والدرهم - أي ضربه ، وطبع الكتاب وعلى الكتاب وختمه إذا ضرب عليه الطابع والخاتم بعد إتمامه ووضعه في ظرفه حتى لا يدخل فيه شيء آخر . ومنه الطبع والطبيعة وهي الصفة الثابتة للشيء أو الشخص ، فالسجية نقش النفس بصورة ثابتة لا تتغير لان ما يتغير لا يسمى طبيعة . ومنه طبع الكتب في الآلة المعروفة بالمطبعة سمي بذلك لأنه لا يقبل المحو والتغيير كالخط ، على أن الناس قد صنعوا أحبارا لا تمحي أيضا ولا يستعمل الطبع على القلوب الا في الشر والمراد به انها وصلت من الفساد إلى حالة لا تقبل معها خيرا كالهدى والايمان والعلم النافع الذي هو فقه الأمور ولبابها ، وانما يحصل بالاصرار على الشرور والمعاصي استحلالا واستحسانا لها ، حتى لا يعود في النفس موضع لغيرها ، قال تعالى في اليهود ( 4 : 154 فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ - بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) اي الا قليلا منهم وهم الذين لم يطبع على قلوبهم . وقال تعالى في المنافقين ( 9 : 88 وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ) ومثله في سورتهم . وقال هنا فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ اي فهم بهذا الطبع لا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر واتعاظ ، ( وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ) ما يراد منها ، لان قلوبهم قد ملئت بما يشغلهم عنها ، من آراء وأفكار وشهوات ملكت عليها أمرها ، حتى صرفتهم عن غيرها ، فجعلتهم من ( بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ) قد كان ينبغي للمسلمين وهذا كتابهم من عند اللّه عز وجل أن يتقوه تعالى باتقاء كل ما قصه عليهم من ذنوب الأمم التي هلك بها من قبلهم وزال ملكهم ، ودالت بسببها الدولة لأعدائهم ، إذ بين لهم ان ذنوب الأمم لا تغفر كذنوب بعض الافراد وسنته فيها لا تتبدل ولا تتحول ، ولكنهم قصروا