الشيخ محمد رشيد رضا
317
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جزيرة العرب وشعوب العجم ، باللسان العربي الذي قضى اللّه أن يوحد به ألسنة جميع الأمم ، فيجعلهم أمة واحدة بالعقائد والعبادات والآداب والشرع واللغة ، ليكونوا بنعمته إخوانا لامثار بينهم للعداوات التي تفرق بين الناس بعصبيات الأنساب والأقوام والأوطان والألسنة ، فكتب ( ص ) كتبه إلى قيصر الروم وكسرى الفرس ومقوقس مصر بلغة الاسلام العربية ككتبه إلى ملوك العرب وأمرائهم ، وبلغ أصحابه ما أمر اللّه به أمته من تعميم الدعوة ، وبشرهم بأن نورها سينتشر ما بين المشرق والمغرب ، فصدع الصحابة والتابعون لهديهم ، وجميع دول الاسلام من بعدهم ، بما أمروا به من نشر هذا الدين بلغته ، في كلا قسمي شريعته ، عبادته وحكومته ، فكان الاسلام ينتشر في شعوب الأعاجم من قارات الأرض الثلاث ( آسية وإفريقية وأوربة ) بلغته العربية ، فيقبل الداخلون فيه على تعلم هذه اللغة بباعث العقيدة ، وضرورة إقامة الفريضة ، ولا سيما فريضة الصلاة التي هي عماد الدين ، وأعظم أركانه بعد التصريح بالشهادتين ، اللتين هما عنوان الدخول فيه ، على أنهما من أعمال الصلاة أيضا ، فكان تعلم العربية من ضروريات الاسلام ، عند جميع تلك الشعوب والأقوام ، بالاجماع العلمي العملي ، التعدي والسياسي ، الا ما كان من تقصير دولة الترك العثمانيين ، بعدم جعل العربية لغة رسمية للدواوين ، كسلفهم من السلجوقيين والبويهيين ، حتى بعد تنحلهم للخلافة الاسلامية ، ورفع ألويتهم على مهد الاسلام من البلاد الحجازية ، فآل ذلك إلى التعارض والتعادي بين العصبية التركية اللغوية ورابطة الاسلام ، فالتفرق والتقاتل بين الترك والعرب فإلغاء الخلافة العثمانية فاسقاط دولة آل عثمان ، وتأليف جمهورية تركية العصبية والتربية والتعليم ، أوربية العادات والتقنين والتشريع ، وإبطال ما كان في الدولة من المصالح الاسلامية ، كمشيخة الاسلام والأوقاف والمدارس الدينية والمحاكم الشرعية وصرحوا بأن حكومتهم هذه مدنية غربية لا دينية وانهم فصلوا بين الدين والدولة فصلا بانا كما فعلت الشعوب الإفرنجية ، على أنهم لما وضعوا قانون هذه الجمهورية قبل التجرؤ على كل ما ذكر ، وضعوا في مواده ان الدين الرسمي للدولة هو الاسلام مراعاة للشعب التركي المسلم ، كما وضعوا فيه مواد أخرى تنافي الاسلام من استقلال المجلس الوطني المنتخب بالتشريع بلا قيد ولا شرط ، ومن إباحة الردة واستحلال ما حرم الشرع ، وظهر أثر