الشيخ محمد رشيد رضا

316

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إلى جمع الكثرة وعدون إشارات الايجاز وحدود المساواة إلى باحة لا طناب ، ينطقن بنصوص صريحة لا تحتمل التأويل ، ولا تقبل التبديل ولا التحويل ، بأن اللّه تبارك وتعالى هو الذي أنزل هذا الكتاب الذي جعله آخر كتبه ، على خاتم أنبيائه ورسله ، قرآنا عربيا ، وانه هو الذي جعله قرآنا عربيا ، وانه هو الذي أوحاه قرآنا عربيا ، وانه هو الذي فصل آياته قرآنا عربيا ، وان الروح الأمين ، نزل به على قلب خاتم النبيين ، بلسان عربي مبين ، وانه ضرب فيه للناس من كل مثل ، والمراد بالناس أمة الدعوة من جميع الملل والنحل ، حال كونه قرآنا عربيا غير ذي عوج ، وانه أمر خاتم رسله أن ينذر به ( أم القرى ) ومن حولها من جميع الورى ، وانه على إنزاله إياه قرآنا عربيا للانذار والذكرى ، والوعيد والبشرى ، لعلهم يعقلون ولعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا ، أنزله حكما عربيا ، وأمر من أنزله عليه أن يحكم بين جميع الناس بما أراه اللّه فيه من الحق والعدل ، الذي جعله فيه حقا مشاعا لا هوادة فيه ولا محاباة لقرابة ولا فضل ، فقال ( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ) اقرأ الآيات ( من سورة النساء 4 : 104 - 114 ) بطولها ، وراجع سبب نزولها ، فعلم من هذه الآيات المحكمة أن القرآن هداية دينية عربية ، وانه حكومة دينية مدنية عربية ، عربية اللسان ، عامة لجميع شعوب نوع الانسان ، وصلوات اللّه وتحياته المباركة الطيبة على محمد النبي العربي الأمين ، الذي جعله سيد ولد آدم وفضله على جميع النبيين والمرسلين ، باكمال دينه بلسانه وعلى لسانه وإرساله لجميع العالمين ، وجعل هداية رسالته باقية إلى يوم الدين ، بقوله عمت رحمته ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ * 21 : 106 ) وقوله تبارك اسمه ( تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً * 25 : 1 ) وقوله تعالى جده ( وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * 34 : 38 ) وقوله جل جلاله ( ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً * 33 : 40 ) وقوله عم نواله فيما أنزله عليه في حجة الوداع يوم الحج الأكبر ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً * 5 : 4 ) وقد بلغ صلوات اللّه وسلامه عليه دعوة ربه كما أمر ، فبدأ بأم القرى ثم بما حولها من