الشيخ محمد رشيد رضا

312

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وهي بلده وبلد قومه ، فجعلهم في كتابه خاصة ، وأدخلهم مع المنذرين عامة ، وقضى أن ينذروا بلسانهم العربي لسان قومه منهم خاصة « فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده حتى يشهد به أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، ويتلو به كتاب اللّه تعالى وينطق بالذكر فيما افترض عليه من التكبير ، وأمر به من التسبيح والتشهد وغير ذلك ، وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله اللّه لسان من ختم به نبوته ، وأنزل به آخر كنبه ، كان خيرا له ، كما عليه أن يتعلم الصلاة والذكر فيها ويأتي البيت وما أمر باتيانه ويتوجه لما وجه له ، ويكون تبعا فيما افترض عليه وندب اليه لا متبوعا « قال الشافعي رحمه اللّه : وانما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيرهم لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثرة وجوهه ، وجماع معانيه وتفرقها : ومن علمها انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها ، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين . والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه ، أو إدراك نافلة خير لا يدعها الا من سفه نفسه ، وترك موضع حظه ، فكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بايضاح حق ، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين طاعة للّه ، وطاعة اللّه جامعة للخير » اه ثم ذيلنا هذا النقل بما نذكر هنا ملخصه بيعض تصرف وهو : هذا ما قاله الإمام الشافعي في رسالة الأصول الشهيرة المطبوعة بمصر بنصها ، ولا تحسبن ان هذا مذهب له خالفه فيه غيره من أئمة المسلمين ، كلا انه اجماع لا اختلاف فيه ، وقد اشتهرت رسالته هذه في جميع أقطار الاسلام إذ كانت هي أول ما كتب في أصول الفقه ، وقد خالفه بعض المجتهدين في بعض مسائل الأصول دون هذه المسألة فلم يخالفه ولم يناقشه أحد فيها ، ولا فيما أورده من الأدلة عليها ، وأوضح الأدلة على هذا إجماع المسلمين سلفا وخلفا على التعبد بتلاوة القرآن العربي وأذكار الصلاة والحج وغيرهما بالعربية ، لم يشذ عن هذا سني ولا شيعي ولا أباضي ولا خارجي ولا معتزلي نعم ان المسلمين قد قصروا في دراسة هذه اللغة بعد ضعف الخلافة الاسلامية وتغلب الأعاجم فعطلوا بذلك بعض ما أمرهم اللّه تعالى به من تدبر القرآن والعبرة والاتعاظ