الشيخ محمد رشيد رضا
313
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بآياته وفهم عقائده وفقه أحكامه ، ولكن روي قول شاذ عن الامام أبي حنيفة رحمه اللّه تعالى بجواز أداء بعض أذكار الصلاة والتلاوة فيها بغير العربية لمن تعذر عليه تعلم ما يجب منهما أي من الافراد لضعف في نطقه وفهمه ، وقد صح عنه أيضا أنه رجع عن هذا القول ، على أنه مقيد بالضرورة الشخصية ، ولم يقل هو ولا غيره باطلاق ذلك وانه يسع أي شعب أعجمي أن يستغني في دينه عن لغة كتابه وسنته ، ولدليل على هذا أن جميع مقلديه من الأعاجم لا يزالون يقرؤن القرآن وأذكار الصلاة والحج وغيرها بالعربية وكذلك خطبة صلاة الجمعة والعيدين الا ما شذت به الحكومة الكمالية التركية فأمرت الخطباء بأن يخطبوا بالتركية تمهيدا للصلاة بها لخلع ربقة الاسلام وقد بلغنا ان جماعة المصلين من الترك لما سمعوا خطبة الجمعة بالتركية نكروها ونفروا منها واتخذوا خطباءها سخريا لان للعربية سلطانا على أرواحهم يخشعون لها وان لم يفهموا كل عباراتها ولأنهم اعتادوا أن يسمعوها بنغم خاص وأداء خاص لا نقبله اللغة التركية كالعربية وليست عبادات الاسلام وحدها هي التي نتوقف على العربية بل معرفة أحكام المعاملات تتوقف عليها أيضا فان أحكام الشريعة بجميع أنواعها حتى المدنية والسياسية متوقفة على الاجتهاد المعبر عنه في عرف هذا العصر بالتشريع ، وقد أجمع علماء الأصول من جميع المذاهب الاسلامية على توقف الاجتهاد في الشرع واستنباط الاحكام على معرفة اللغة العربية معرفة تمكن صاحبها من فهم أحكام القرآن والسنة ، وقد وضحنا هذه المسألة وبينا وجه الحاجة إليها في هذا العصر في كتاب ( الخلافة - أو الإمامة العظمى ) فتراجع فيه وجملة القول إن إقامة دين الاسلام متوقفة على لغة كتابه المنزل ، وسنة نبيه المرسل ، سواء في ذلك هدايته الروحية ، ورابطته الاجتماعية ، وحكومته العادلة المدنية ، وان المسلمين لم يكونوا في عصر من العصور أحوج إلى الوحدة المفروضة عليهم المتوقفة على هذه اللغة منهم في هذا العصر الذي تمزقوا فيه كل ممزق ، فأصبحوا أكلة لمفهومي الاستعمار ومستعبدي الأمم والشعوب ، وصدق فيهم قول النبي ( ص ) « يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها » الحديث