الشيخ محمد رشيد رضا

311

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لسانه ، أو ما يطيقونه منه . ويحتمل أن يكون بعث بألسنتهم « 1 » ؟ فان قال قائل : فهل من دليل على أنه بعث بلسان قومه خاصة دون ألسنة العجم ؟ ؟ قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : فالدلالة على ذلك بينة من كتاب اللّه عز وجل في غير موضع ، فإذا كانت الألسنة مختلفة بما لا يفهمه بعضهم عن بعض فلا بد أن يكون بعضهم تبعا لبعض ، وأن يكون الفضل في اللسان المتبع على التابع ، وأولى الناس بالفضل في اللسان من لسانه لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا يجوز - واللّه تعالى أعلم - أن يكون أهل لسانه أتباعا لأهل لسان غير لسانه في حرف واحد ، بل كل لسان تبع للسانه وكل أهل دين قبله فعليهم اتباع دينه ، وقد بين اللّه تعالى ذلك في غير آية من كتابه . قال اللّه عز ذكره ( وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) وقال ( وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا ) وقال ( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ) وقال تعالى ( حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : فأقام حجته بأن كتابه عربي في كل آية ذكرناها ، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه جل وعز كل لسان غير لسان العرب في آيتين من كتابه فقال تبارك وتعالى ( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ) وقال ( وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ؟ أأعجمي وعربي ؟ ) « قال الشافعي رحمه اللّه تعالى : وعرفنا قدر نعمه بما خصنا به من مكانه فقال تعالى ( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ . . . ) الآية ، وقال ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ) الآية . وكان مما عرف اللّه تعالى نبيه عليه السّلام من انعامه ان قال ( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ) فخص قومه بالذكر معه بكتابه وقال ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) وقال ( لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها ) * وأم القرى مكة

--> ( 1 ) اي يحتمل ذلك عقلا وان قام الدليل على مقابله فعلا