الشيخ محمد رشيد رضا

308

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أمته أي أمة الإجابة وهم الذين اهتدوا بما جاء به من الايمان والاسلام ، أن يبلغوا دعوته لجميع الناس من جميع الأمم ، على الوجه الذي يحرك إلى النظر ، ويجب أن يكون القائمون بذلك منهم جماعات تتعاون عليه إذ لا يغني الافراد غناء الجماعات ، سواء أكانت الدعوة إلى أصل الايمان الاجمالي الذي هو بدء الدعوة - أم إلى الشرائع التفصيلية والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويشمل ذلك كله قوله تعالى ( 4 : 104 وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) وقد ذكرنا في تفسيرها ما بسطه شيخنا الأستاذ الامام من كون الراجح المختار أن قوله تعالى ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ) تجريد كقول القائل : ليكن لي منك صديق . أي لتكن صديقا لي ، وأنه يجب على جميع المسلمين أن يكونوا دعاة إلى الخير الأعظم الذي هداهم اللّه اليه ، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ، كل على قدر حاله واستطاعته كما كان المسلمون في الصدر الأول ، وانه مع ذلك يجب أن يتألف للدعوة جماعات تعد لها عدتها وان هذا متعين على الوجه الآخر في الآية وهو جعل منكم للتبعيض الخ ( راجع ص 27 - 45 ج 4 تفسير وكذا ص 28 منه ) وتبليغ الدعوة إلى الاسلام على الوجه الذي تقوم به الحجة يختلف باختلاف الزمان والمكان والافراد والأقوام ، فقد كان مشركو العرب في عصر البعثة يؤمنون بأن اللّه تعالى هو رب العالمين وخالق الخلق ومدبر أموره وانما كانوا يشركون بعبادته غيره من الملائكة والجن والأصنام زاعمين انهم يقربونهم اليه زلفى ويشفعون لهم عنده فيقضي لهم حاجهم من جلب خير ودفع ضر بوساطتهم ، وكانوا ينكرون البعث والحياة بعد هذه الحياة الدنيا وينكرون الرسالة والوحي من اللّه لبعض البشر ، فكان النبي ( ص ) يدعوهم أولا إلى التوحيد الذي هو عنوان الاسلام وباب الدخول فيه لأنه الركن الأعظم ، ثم إنه كان يقيم لهم الحجج والبراهين على توحيد الألوهية وهو افراد اللّه وحده بالعبادة وعلى حقية الرسالة والبعث والجزاء مع دفع ما عندهم من الشبهات على ذلك كما تراه مفصلا في سورة الأنعام التي هي أجمع سورة في القرآن لذلك وكذا في غيرها من السور المكية . ويلي ذلك دعوتهم إلى أصول الشريعة وقواعدها الكلية في الآداب والفضائل والحلال والحرام ثم إلى الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وأما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فكانوا يؤمنون بالله وبالوحي