الشيخ محمد رشيد رضا

309

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والرسل والبعث والجزاء ، ولكن دخلت على أكثرهم الوثنية القديمة بجميع أصولها وفروعها ولا سيما النصارى الذين أقاموا عقيدتهم على أساس التثليث المعروف عن قدماء المصريين والهنود وغيرهم من الوثنيين ، وكان اليهود يزعمون أن النبوة والرسالة محصورة في بني إسرائيل لا يمكن ان يبعث اللّه رسولا من غيرهم ، وكانت التوراة قد فقدت في غزو البابليين لهم . ثم كتب بعضهم لهم توراة بعد عدة قرون هي عبارة عن تاريخ ديني مشتمل على قصص الأنبياء إلى عهد موسى وهارون وعلى ما تذكر الكاتب من شريعة التوراة مع تحريف وأغلاط كثيرة ، وكان الإنجيل الذي جاء به عيسى عليه السّلام من وعظ وتعليم وبشارة قد ادعاه كثيرون فظهر في العصر الأول بعده زهاء سبعين إنجيلا اختار الجمهور الذي جمع شمله الملك قسطنطين الوثني الذي تنصر سياسة أربعة منها فيها كثير من الخلاف والتعارض ، وذلك بعد المسيح بثلاثة قرون . وفشا فيهم منذ عهد هذا الملك الوثني المتنصر عبادة السيدة مريم عليها السّلام وغيرها من الصالحين حتى صارت الكنائس النصرانية كهياكل الأوثان مملوءة بالصور والتماثيل المعبودة - فكانت دعوة النبي ( ص ) إياهم إلى الاسلام وحججه عليهم التي أنزلها اللّه عليه في القرآن تختلف من بعض الوجوه عن دعوة المشركين الأصليين كما تراه مبسوطا في السور الطول الأربع الأولى البقرة وآل عمران والنساء والمائدة - ففي الجزء الأول من البقرة من القرآن : يوجه أكثر الكلام إلى اليهود وذكرت فيه النصارى بالعرض - وأوائل سورة آل عمران نزلت في حجاج نصارى نجران . وفي أواخر النساء كلام في أهل الكتاب أكثره في النصارى - وجل سورة المائدة في أهل الكتاب عامة والنصارى خاصة وأما هذا العصر فقد كثرت فيه الملاحدة والمعطلة ، وتجددت للكفار على اختلاف فرقهم شبهات جديدة يتوكؤن فيها على مسائل من العلوم العصرية لم تكن معروفة عند الأقدمين ، وحدثت للناس آراء ومذاهب في الحياة فيها الحسن والقبيح ، والنافع والضار ، بل منها ما قد يفضي إلى فساد العالم وتفويض دعائم العمران . ومثار ذلك كله ذبوع التعاليم المادية وفوضى الآداب وتدهور الاخلاق وتغلب الرذائل على الفضائل ، وقد ظهر هذا الفساد في أفظع صورة في حرب المدنية الكبرى وما ولدته من تفاقم شره