الشيخ محمد رشيد رضا
302
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الأصل بل الأصول ، وذلك قوله عز من قائل فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ أي فآمنوا يا أيها الناس من جميع الأمم باللّه الواحد في ربوبيته وألوهيته الذي يحيى كل ما تحله الحياة في العالم ، ويميت كل ما يعرض له الموت بعد الحياة ، وهذا امر يتجدد كل يوم فتشاهدونه ومثله البعث العام بعد الموت العام وخراب هذا العالم ، وآمنوا برسوله المطلق الممتاز بأنه النبي الأمي الذي بعثه في الأميين ( العرب ) رسولا إلى الخلق أجمعين ، يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ويطهرهم من خرافات الشرك والرذائل والجهل والتفرق والتعادي بعصبيات الأجناس واللغات والأوطان ليكونوا بهدايته أمة واحدة يتحقق بها الإخاء البشري العام ، وقد بشر به الأنبياء الكرام عليهم السّلام ، لأنه المتمم المكمل لما بعثوا به من هداية الأقوام ، وأميته ( ص ) من أعظم معجزاته ، وأية آية على صحة دعوى الرسالة أقوى وأظهر من تعليم الأمي الذي لم يتعلم شيئا لجميع الأمم ؛ ما فيه صلاحهم وفلاحهم من العلوم والحكم ؟ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ أي يؤمن بما يدعوكم إلى الايمان به من توحيد اللّه تعالى وكلماته التشريعية التي أنزلها لهداية خلقه ، وهي مظهر علمه وحكمته ورحمته ، وكلماته التكوينية التي هي مظهر إرادته وقدرته وحكمته . وبعد أمرهم بالايمان أمرهم بالاسلام فقال وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي واتبعوه بالاذعان الفعلي لكل ما جاءكم به من أمر الدين فعلا وتركا ، رجاء اهتدائكم بالايمان وباتباعه لما فيه سعادتكم في الدنيا والآخرة ، فثمرة الايمان والاسلام اهتداء صاحبهما ووصوله بالفعل لسعادة الدارين كما فصلناه في غير هذا الموضع ، ودليله الفعلي في الدنيا انه ما آمن قوم بنبي الا وكانوا بعد الايمان به خيرا مما كانوا قبله من هناء المعيشة والعزة والكرامة في دنياهم ، وأظهر التواريخ وأقربها عهدا تاريخ الأمة المحمدية ، ومن العجائب أن يصل بهم الجهل بعد ذلك إلى ترك هذه الهداية التي نالوا بها الملك العظيم والعز والسؤدد والغنى والحضارة ، وأعجب منه أن يزول المعلول بزوال علته وهم لا يشعرون به فيعودوا اليه ، وأعجب من هذين أن يصل بهم الجهل إلى أن يعتقد كثير منهم في هذا العصر أن هداية الاسلام التي سعدوا بها ثم شقوا بتركها هي سبب هذا الشقاء الأخير لا تركها