الشيخ محمد رشيد رضا
303
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( فصل في معنى اتباع الرسول وموضوعه ولوازمه ) قوله تعالى هنا ( وَاتَّبِعُوهُ ) أعم من قوله في الآية التي قبلها ( وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) فتلك في اتباع القرآن خاصة وهذه تشمل اتباعه صلّى اللّه عليه وسلّم فيما شرعه من الاحكام من تلقاء نفسه ، على القول بأن اللّه تعالى أعطاه ذلك واذن له به ، واتباعه في اجتهاده واستنباطه من القرآن إذا كان تشريعا - كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها كالجمع بين الأختين المنصوص في القرآن - ولا يدخل فيه اتباعه فيما كان من أمور العادات كحديث « كلوا الزيت وادهنو به فإنه طيب مبارك » رواه أحمد وابن ماجة عن أبي هريرة والحاكم وصححه ورواه غيرهما بألفاظ أخرى وأسانيده ضعيفة ، وحديث « كلوا البلح بالتمر » الخ رواه النسائي وابن ماجة والحاكم عن عائشة وصححوه ، فان هذا من أمور العادات التي لا قربة فيها ولا حقوق تقتضي التشريع ، بخلاف حديث « كلوا لحوم الأضاحي وادخروا » رواه أحمد والحاكم عن أبي سعيد وقتادة بن النعمان وسنده صحيح . فان الأضاحي من النسك ، والاكل منها سنة فأمر المضحي به للندب ، وادخارها جائز له ، ولولا الامر به لظن تحريمه أو كراهته لعلاقة الأضاحي بالعيد فهي ضيافة اللّه تعالى للمؤمنين في أيام العيد . فالتشريع إما عبادة أمرنا بالتقرب إلى اللّه تعالى بها وجوبا أو ندبا ، واما مفسدة نهينا عنها اتقاء لضررها في الدين كدعاء غير اللّه فيما ليس من الأسباب التي يتعاون عليها الناس وكأكل المذبوح لغير اللّه وتعظيم غير اللّه بما شرع تعظيم اللّه به من الذبح له والحلف باسمه - أو لضررها في العقل أو الجسم أو المال أو العرض أو المصلحة العامة - وإما حقوق مادية أو معنوية أمرنا بأدائها إلى أهلها كالمواريث والنفقات ومعاشرة الأزواج بالمعروف ، أو أمرنا بالتزامها لضبط المعاملات كالوفاء بالعقود ، وبادخال حكم الاستحباب وحكم كراهة التنزيه في التشريع تتسع أحكامه في أمور العادات كما يعلم مما يأتي ليس من التشريع الذي يجب فيه امتثال الامر واجتناب النهى ما لا يتعلق به حق للّه تعالى ولا لخلقه لا جلب مصلحة ولا دفع مفسدة كالعادات والصناعات والزراعة والعلوم والفنون المبنية على التجارب والبحث وما يرد فيها من أمر ونهي يسميه العلماء ارشادا لا تشريعا الا ما ترتب على النهى عنه وعيد كلبس