الشيخ محمد رشيد رضا
250
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويحتمل أن يكون ذاك السبب اختلاف التراجم لكن الأول هو المعتمد لأنا ترى ان هذه العادة جارية إلى الآن في تراجمهم ورسائلهم ، ألا ترى إلى ميزان الحق الخ ( الأمر الثامن ) إن بولس وان كان عند أهل التثليث في رتبة الحواريين لكنه غير مقبول عندنا ولا نعده من المؤمنين الصادقين ، بل من المنافقين الكذابين ومعلمي الزور والرسل الخداعين الذين ظهروا بالكثرة بعد عروج المسيح كما عرفت في الأمر الرابع . وهو خرّب الدين المسيحي ؛ وأباح كل محرم لمعتقديه . وكان في ابتداء الامر مؤذيا للطبقة الأولى من المسيحيين جهرا لكنه لما رأى هذا الايذاء الجهري لا ينفع نفعا معتدا به دخل على سبيل النفاق في هذه الملة وادعى رسالة المسيح وأظهر الزهد الظاهري ففعل في هذا الحجاب ما فعل وقبله أهل التثليث لأجل زهده الظاهري ولأجل افراغ ذمتهم من جميع التكاليف الشرعية كما قبل أناس كثيرون من المسيحيين في القرن الثاني منتش الذي كان زاهدا مرتاضا وادعى أيه هو الفار قليط الموعود به فقبلوه لأجل زهده ورياضته كما سيجيء ذكره في البشارة الثامنة عشر ورده المحققون من علماء الاسلام سلفا وخلفا قال الامام القرطبي رحمه اللّه في كتابه في حق بولس هذا مجيبا لبعض القسيسين في بحث مسئلة الصوم هكذا : « قلنا ذلك - أي بولس - هو الذي أفسد عليكم أديانكم ، وأعمى بصائركم وأذهانكم ، ذلك هو الذي غير دين المسيح الصحيح ، الذي لم تسمعوا له بخبر ، ولا وقفتم منه على أثر ، هو الذي صرفكم عن القبلة ، وحلل لكم كل محرم كان في الملة ، ولذلك كثرت أحكامه عندكم وتداولتموها بينكم » انتهى كلامه بلفظه . وقال صاحب ( نخجيل من حرف الإنجيل ) في الباب التاسع من كتابه في بيان فضائح النصارى في حق بولس هذا هكذا « وقد سلهم بولس هذا من الدين بلطيف خداعه إذ رأى عقولهم قابلة لكل ما يلقى إليها وقد طمس هذا الخبيث رسوم التوراة » انتهى كلامه بلفظه وهكذا أقوال علمائنا الآخرين . فكلامه عندنا مردود ورسائله المنضمة بالعهد العتيق كلها واجبة الرد ولا نشتري