الشيخ محمد رشيد رضا
226
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد يكون ناسخا لبعضه كما نسخ عيسى عليه السّلام بعض أحكام التوراة وأقر أكثرها كما يدل على ذلك مثل قوله تعالى حكاية لما خاطب به بني إسرائيل ( وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ) وسيرته المأثورة عن الانجليين الأربعة وغيرهم تدل على ذلك ففيها انه ما جاء لينقض الناموس ( أي التوراة ) وإنما جاء ليتمم ، وأنه أحل لهم بعض ما حرم عليهم حتى ما دل عليه عموم ترك العمل يوم السبت فخصه بغير العمل الصالح من أمور الدنيا بل نرى فرق النصاري الرسميين بعد تكوين نظام الكنيسة قد تركوا ما عدا الوصايا العشر من شريعة التوراة واستبدلوا يوم الأحد بيوم السبت فيما حرمت الوصايا من العمل فيه وخالف الأكثرون وصية النهي عن اتخاذ الصور والتماثيل ولكن لا يستطيعون أن يأتوا بدليل على هذا من قول المسيح ولا من فعله ، وجملة القول أن الرسول أخص في عرف شرعنا من النبي ، فكل رسول نبي ولا عكس ، وإذا أطلق الرسول بالمعنى الذي يعم رسل الملائكة كان من هذا الوجه أعم من النبي لان اللّه اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس ، ولم يجعل فيهم أنبياء . فنبينا ( ص ) نبي رسول ، وجبريل عليه السّلام رسول غير نبي ، وآدم عليه السّلام نبي غير رسول كأكثر أنبياء بني إسرائيل ، وهذا على قول المحققين في نص حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما الناطق بأن نوحا أول رسول أرسله اللّه إلى أهل الأرض ، وقد تقدم في الكلام على عدد الرسل من تفسير سورة الأنعام جواز تسميته رسولا في عرف بعض أهل الكلام ، وانهم لهذا العرف عدوه من الرسل الذين تجب معرفة رسالتهم وأول هؤلاء حديث الشفاعة تأويلات تجدها هنالك « 1 » وصف اللّه الرسول الذي أوجب اتباعه على كل من ادركه من بني إسرائيل وغيرهم بصفات ونعوت ( أولها ) ( أنه هو النبي الأمي الكامل ) ( ثانيها ) - قوله تعالى - الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ومعناه الذي يجد الذين يتبعونه من بني إسرائيل صفته ونعته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل ، وانما ذكر الإنجيل والسياق في قوم موسى لان المخاطب به
--> ( 1 ) راجع ص 602 - 609 ج 7 تفسير