الشيخ محمد رشيد رضا

222

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إليك مما فرط من سفهائنا من طلب الالهة وعبادة العجل ، وتقصير خيارنا في الانكار عليهم - أو من طلب رؤيتك - أو من تمرد المغرورين على شريعتك ، وكفر نعمتك - تبنا ورجعنا إليك في جملتنا مستغفرين مسترحمين كما فعل أبونا آدم إذ تاب إليك من معصيته فتبت عليه وهديته واجتبيته ، فكانت تلك سنتك في ولده - يدل على هذا المعنى فصل قوله « انا هدنا إليك » فإنه في مقام التعليل والاستدلال على استحقاق التائب المنيب بالقول والفعل والاعتقاد للمغفرة وقد كان مما حكاه اللّه تعالى من وحيه إلى موسى في سورة طه ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ) وبماذا أجابه اللّه تعالى ؟ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي قد كان من سبق رحمتي غضبى أن أجعل عذابي خاصا أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة المجرمين وأما رحمتي فقد وسعت كل شيء في العالمين ، فهي من صفاتي القديمة الأزلية التي قام بها أمر العالم منذ خلقته ، والعذاب ليس من صفاتي بل من أفعالي المرتبة على صفة العدل ، ولهذا عبر عن التعذيب بالفعل المضارع وعن تعلق الرحمة بالفعل الماضي وهذه الرحمة هي العامة المبذولة لكل مخلوق ولولاها لهلك كل كافر وعاص عقب كفره وفجوره ، ( ولو يؤاخذ اللّه الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ) وهنالك رحمة خاصة يوجبها ويكتبها تعالى لبعض المؤمنين المحسنين ويبذل ما شاء منها لمن شاء بغير كتابة منه ، وما كتابته إلا فضل منه ورحمة ، وأما العذاب فلم يرد في الكتاب ولا في خبر المعصوم ان اللّه تعالى كتبه على نفسه ، ولكن أثبته وتوعد به فكان لا بد من وقوعه ، ولأنه من متعلقات صفتي العدل والحكمة ، وقد أفرط قوم في النظر إلى عموم الرحمة وغفلوا عن النظر في مقتضى العدل والحكمة ، والوعيد على الكفر والمعصية ، فذهب بعضهم إلى عدم تعذيب أحد من المؤمنين ، وآخرون إلى عدم تعذيب أحد من العالمين ، ومن هؤلاء بعض غلاة التصوف الذين زعموا أن العذاب صوري لا حقيقي وانه مشتق من العذوبة وان في جهنم من هم أحب إلى اللّه تعالى من كثير من أهل الجنة - جعلهم اللّه منهم - وأفرط آخرون في النظر إلى مقتضى الحكمة فأوجبوا عليه تعالى تعذيب العصاة بارتكاب الكبائر لا الكفار فقط ، ولولا أن صار هذا وذاك مذهبا لسهل جمع كلمة الفريقين على الاخذ