الشيخ محمد رشيد رضا
223
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بظواهر نصوص القرآن ، في كل صفة من صفات الرحمن ، ولما قال مثل الزمخشري من جهابذة البيان ، في تفسير قوله تعالى ( عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ) اي من وجب عليّ في الحكمة تعذيبه ولم يكن في العفو عنه مساغ لأنه مفسدة انتهى فقد فسر من يشاء تعالى تعذيبه بمن وجب عليه تعذيبه ، وجماعته يقولون إن هذا وجوب عقلي لا يدخل في الامكان سواه ولا تتعلق القدرة بخلافه ، وهذا المعنى ينافي المشيئة منافاة قطعية فكيف تفسر به ؟ يا ليت الزمخشري لم ينتحل مذهبا ولم ينظر في خلاف المذاهب ، وإذا لكان كشافه حجة على جميع أصحابها ومرجعا لهم في تحرير معاني نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف إذ كان من أدق علماء هذه اللغة فهما وأحسنهم بيانا لما فهم ، ومسألة الوجوب على اللّه تعالى نظرية فكرية لا لغوية ، والجمع بين الحكمة والرحمة لا يقتضي أن يجب على اللّه تعالى شيء لذاته ، وليس في النصوص ما يدل على هذا الوجوب إلا أن يوجبه تعالى بمشيئته ، بمعنى كتابته وجعله أمرا مقضيا ، وليس في ايجابه على نفسه بمشيئته ما في ايجاب عقول خلقه عليه من معنى استعلاء غيره عليه تعالى - أو من ابهام كونه عز وجل محكوما بما ينافي سلطانه الاختياري الذي هو فوق كل سلطان ، بل لا سلطان سواه ، وانما سلطان غيره به ومنه ؛ فلو لم يكن في اختلاف التعبير الا مراعاة الأدب لكفى فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الخ أي وإذ كان الامر كذلك فسأكتب رحمتي كتبة خاصة وأثبتها بمشيئتي اثباتا لا يحول دونه شيء للذين يتقون الكفر والمعاصي والتمرد على رسولهم ، ويؤتون الصدقة المفروضة التي تتزكى بها أنفسهم ، وغيرها من أركان الدين ، وخص الزكاة بالذكر دون الصلاة وما دونها من الطاعات لان فتنة حب المال تقتضي بنظر العقل والاختبار بالفعل أن يكون المانعون للزكاة أكثر من التاركين لغيرها من الفرائض . وفيه إشارة إلى شدة حب اليهود للدنيا وافتتانهم بجمع المال ومنع بذله في سبيل اللّه ، وقوله تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) معناه وسأكتبها كتبة خاصة للذين يصدقون بجميع آياتنا التي تدل على توحيدنا وصدق رسلنا تصديق إذعان ، مبنى على العلم والايقان ، دون التقليد للآباء وعصبيات الأقوام ، ونكتة إعادة الموصول ( الذين ) مع الضمير ( هم ) إما جعل الموصول الأول عاما لقومه